الوثيقة المرجعية الرؤية الوطنية لتحديث المنظومة السياسية

المقدمة

تدخل الدولة الأردنيّة مئويتها الثانية مستندةً إلى إرث كبير من الإنجاز والاستقرار، ومتمسّكة بإرادة وطنيّة صلبة للتحديث والمزيد من التقدم والازدهار، وفي هذه المحطة الكبرى في تاريخنا الوطنيّ، جاءت رسالة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم بتشكيل «اللجنة الملَكيّة لتحديث المنظومة السياسيّة» لتكون نتائجها في مجال التحديث السياسيّ رأسَ القاطرة لمشروع تحديث الدولة الأردنيّة الذي يقوده جلالة الملك للعبور بالأردن نحو المئويّة الثانية وهو أكثر قوةً وحداثةً وثقةً بالنفس.

لقد عبّرت هذه الخطوة الكبيرة عن أشواق الأردنييّن والأردنيات وتطلُّعهم نحو المستقبل للبناء على ما قدمه الأجداد والآباء من تضحيات وإنجازات في المئويّة الأولى، وما سينجزه الأبناء والأحفاد والأجيال الجديدة في المئويّة الثانية، مستلهمين مبادئ العدالة وسيادة القانون وتكافؤ الفرص وقيم الدولة الأردنيّة في الوسطية والاعتدال والتسامح والحرية والكرامة، ومتمسكين بمبادئ الثورة العربيّة الكبرى وتراثها العربي الأصيل. كما تأتي هذه الخطوة المباركة بالتزامن مع قرب ذكرى وطنيّة عزيزة أخرى، هي الذكرى السبعون لسنّ الدستور الأردنيّ لعام 1952 الذي شُرِّع في عهد المغفور له الملك طلال بن عبدالله، وشكّل مرحلة متقدمة في تطور النظام السياسيّ الأردنيّ وتحديثه.

كما جاءت الرسالة الملَكيّة واضحةَ الأهداف ومملوءة بالعزم على إحداث نقلة نوعية في الحياة البرلمانيّة والحزبيّة، تليق بالأردنيّين والأردنيّات وبإنجازات دولتهم ونظامهم السياسيّ على مدى المئويّة الأولى، وعلى نحوٍ يضمن التأسيس لحياة برلمانيّة وحزبيّة فاعلةٍ وقادرةٍ على إقناع الناخبين بطروحاتها، وقادرةٍ كذلك على التخلُّص من تشوهات الماضي البعيد والقريب التي ألَـمّت بالعمل الحزبيّ والبرلمانيّ، وهو ما سيقود إلى التأسيس لمرحلةٍ متقدمة في أداء السلطة التنفيذية لمسؤوليتها، وفي قوة المؤسسات السياسيّة وتكاملها وانضباطها وفقًا لأحكام الدستور الأردنيّ العتيد وبما يُشعر المواطن أنه أساسُ عمل السلطتين التشريعية والتنفيذية.

إن نتائج أعمال اللجنة التي أُنضجت بفعل حوارات وطنيّة موسَّعة داخل اللجنة وخارجها وفي أنحاء المملكة كافة، تستند إلى أساسٍ متين ورأسمال وطنيّ ثريّ يتمثل في ثوابت الدولة الأردنيّة ومبادئ نظامها السياسيّ؛ وفي سموّ الدستور الأردنيّ ومكانته، وفي القيمة التاريخيّة المضافة للأوراق النقاشية الملَكيّة، وصولًا إلى النموذج الديمقراطيّ الأردنيّ الذي يوسّع قاعدة المشاركة الفعلية، ويجعل الشأن العام محطَّ اهتمام المواطنين، ويعزّز المواطنة الفاعلة، ويمكّن الأردنيّات في الحياة العامة ويجعل من التمكين السياسيّ لهنّ مدخلًا قويًّا للتمكين الاقتصاديّ والاجتماعيّ، ويدفع بالشباب بكلّ ثقة واقتدار أن يكونوا عنوانَ القرن الأردنيّ الجديد.

إنّ تحديث المنظومة السياسيّة يعني تحسين نوعية حياة الأردنيين والأردنيات، والوصول بهم إلى مجتمع ثريّ برأسماله البشري والاجتماعيّ الفاعل، يؤدي أفراده ما هو متوقَّع منهم من أدوار، وينهضون بمسؤولياتهم في خطط التنمية الوطنيّة. والتحديث السياسيّ هو الذي يدشّن الطريق إلى مجتمع لا يحوّل أفرادُه اختلافَهم إلى خلاف، بل يبنون، متضامنين، مجتمعًا متعددًا، غنيًّا بتنوُّع مكوناته الفكرية والدينيّة والعرقية، تُوحِّدهم، على تعدُّدهم، الهويّة الوطنيّة الواحدة، والاعتراف بأن التنوعَ قوةٌ والتعدديةَ السياسيّةَ مصدرٌ للتكامل والاندماج والتقدُّم.

لقد شكّلت الأوراق النقاشية الملَكيّة تجديدًا لفلسفة الدولة الأردنيّة السياسيّة والاجتماعيّة، إذ أطلق جلالة الملك من خلال هذه الأوراق صيغة حداثية مبتكرة ومتقدمة لإدارة النقاش العام، وقدّم سلسلة من المفاتيح لتحديث الدولة والمجتمع؛ لهذا اعتُمدت هذه الأوراق مرجعية أساسية لعمل اللجنة، ومهّدت الطريق لنضوج الرؤية الوطنيّة للتحديث السياسيّ التي نقترحها اليوم ضمن محدّدات الرسالة الملَكيّة.

إنّ الأطروحات التي تقدمها منظومة التحديث السياسيّ، سواء في التشريعات الناظمة للحياة السياسيّة أو في الأفكار والسياسات المرتبطة بالإدارة المحليّة وبتمكين الشباب والمرأة، تشكّل حالة من التوافق الوطنيّ الذي تمّ على قاعدة التنوع والتمثيل كما عبّر عنهما تشكيل اللجنة الملَكيّة.

إننا إذ نقدم خُلاصة عمل «اللجنة الملَكيّة لتحديث المنظومة السياسيّة» متوافقين على أن مصلحة الدولة الأردنيّة هي الأساس، وموحَّدين حول خيارنا الوطنيّ بتحديث نظامنا السياسيّ، ومتمسّكين بهويتنا الوطنيّة الواحدة، لنأمل أن ترتقي هذه النتائج والتوصيات إلى طموح حضرة صاحب الجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وأن تلبّي آمال الأردنيّين والأردنيّات وهم يَلِجون مئويّة جديدة يشيّدون فيها دولة وطنيّة ديمقراطيّة حديثة.

الرسالة الملَكيّة والهدف من تشكيل اللجنة

وجّه جلالة الملك عبدالله الثاني في 10 حزيران 2021 رسالة إلى دولة سمير الرفاعي يعهد إليه فيها رئاسة اللجنة الملَكيّة لتحديث المنظومة السياسيّة، وتكوّنت اللجنة من (92) من الذوات من بينهم (18) سيدة يمثلون المجتمع الأردنيّ، واتّسمت بالتنوّع والتعددية؛ فشملت التياراتِ السياسيّة والفكريّة على اختلافها، وراعت الفئاتِ العمرية والمكوّنات الاجتماعيّة كافة.

أوضحت الرسالة الملَكيّة بشكل مباشر أن الدافع وراء تشكيل اللجنة هو عزمُ جلالة الملك على جعل ذكرى مئويّة الدولة الأردنيّة الأولى ودخول الدولة مئويتها الثانية محطّةً لإطلاق مشروع تحديث الدولة الأردنيّة انطلاقًا من تحديث منظومة العمل السياسيّ؛ فإذا كان مطلع المئويّة الأولى قد شهد أنْوية إنشاء المؤسسات وبداية تمأسُس الدولة وتشكُّل المجتمع، فإن مطلع المئويّة الثانية يشكّل اليوم مرحلة جديدة من مراحل البناء عنوانُه التحديث.

لقد بيّنت الرسالة الملَكيّة أن الهدف العام للّجنة يتمثل في إحداث «نقلة نوعيّة في الحياة السياسيّة والبرلمانيّة تضمن مواصلة عملية التطوير لضمان حق الأردنيّين والأردنيّات في ممارسة حياة برلمانيّة وحزبيّة ترتقي بديمقراطيّتهم وحياتهم وصولًا إلى برلمان قائم على كتل وأحزاب برامجيّة». ولتحقيق هذا الهدف الوطنيّ الكبير، حددت الرسالة الأهداف المباشرة لعمل اللجنة ومهامها، كالتالي:

  1. وضع مسوّدَتي مشروعَي قانونين جديدين للانتخاب والأحزاب السياسيّة.
  2. النظر بالتعديلات الدستورية المتصلة حكمًا بمسوّدَتي مشروعَي القانونين وآليات العمل النيابي.
  3. تقديم التوصيات المتعلقة بتطوير التشريعات الناظمة للإدارة المحليّة.
  4. توسيع قاعدة المشاركة في صنع القرار وتهيئة البيئة التشريعيّة والسياسيّة الضامنة لدور الشباب والمرأة في الحياة العامة.

كما حدّدت الرسالة الملَكيّة مجموعة من الأطر والمبادئ التي شكّلت بوصلة لعمل اللجنة نحو تحقيق أهدافها، واستمدّت منها فلسفةَ نتائجها، وهذه المبادئ والأطر هي:

  1. الأوراق النقاشية الملَكيّة السَّبع وثيقة استرشادية لعمل اللجنة، والاستفادة من مضامين هذه الأوراق التي لاقت اهتمامًا وطنيًّا كبيرًا، بما تحمله من أفكار إصلاحية وتحديثية، وما تقدمه من رؤية لتطوير النظام السياسيّ الديمقراطيّ.
  2. الالتزام الملَكيّ بضمان نتائج عمل اللجنة، من خلال تبنّي الحكومة نتائج اللجنة وتقديمها إلى مجلس الأمة فورًا ودون أيّ تدخلات أو محاولات للتغيير أو التأثير.
  3. إن جوهر عمل اللجنة هو صياغة توافق وطنيّ يبدأ من أعضائها الذين يمثلون مختلف الأطياف الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة، ويتواصل هذا التوافق ليتحول إلى هدف وطنيّ كبير يلتفّ حوله الجميع على المستويات كافة.
  4. الانتقال المتدرِّج في بناء النموذج الديمقراطيّ الأردنيّ نحو تحقيق الأهداف المستقبلية كاملة.
  5. إن توصيات اللجنةوفقًا لأهدافها ومهمتها التي حددتها الرسالة الملَكيّة يجب أن تعمل على تعزيز قيم المواطنة حقوقًا وواجبات، وتعزيز الحريات المكفولة بالتشريعات، والالتزام بمبدأ سيادة القانون.
الإطار السياسيّ لعمل اللجنة

جاء تشكيل اللجنة الملَكيّة لتحديث المنظومة السياسيّة نابعًا من الإرادة الوطنيّة الأردنيّة التي عبّر عنها جلالة الملك في استشرافه للمستقبل، وفي سعيه المتواصل على مدى أكثر من عقدين لتطوير النظام السياسيّ الأردنيّ وإنضاج التحوُّل الديمقراطيّ. ولم تأتِ اللجنة في ظروف طوارئ محليّة أو ضغوط خارجية؛ على الرغم مما اتسم به النظام السياسيّ الأردنيّ من قدرة عالية على الاستجابة والتكيُّف المرن مع المطالب الشعبيّة وفي مقدمتها ما يتعلق بالإصلاحات وتنمية الحياة السياسيّة. بل جاء هذا التوجه نتيجة واضحة لالتقاء إرادة القيادة الأردنيّة مع الإرادة الشعبيّة للانتقال إلى مرحلة جديدة من التحديث السياسيّ بعد أن قطعت المملكة أشواطًا متعددة في مسارات التنمية السياسيّة والإصلاح.

لا شكّ أن الظروف الإقليمية والدوليّة لعبت أدوارًا متفاوتة في بنى النظم السياسيّة العربيّة وتطورها على مدى العقود الماضية، نظرًا للظروف السياسيّة والاجتماعيّة المتشابهة والانتماء لثقافة ولغة واحدة سهّلت انتقال الأفكار والعقائد السياسيّة والدينيّة وممارسة التأثير. لعل هذا الواقع ساهم في تعميق التشوُّهات السياسيّة في المنطقة وحرمان الشعوب من شقّ طريق مستقلّة في تحديد خياراتها وتطوير نظمها السياسيّة، وقد عانى الأردن من هذه التأثيرات في فترات متعددة من تاريخه.

لقد شهدت البيئة السياسيّة في المنطقة تعقيدات متزايدة خلال السنوات الأخيرة، وأدّت الصراعات والأوضاع الأمنيّة في الإقليم إلى تراجع مطالب الإصلاح السياسيّ، بل إن مآلات التحولات بعد عام 2011 لم تكن سارّة في معظم الأقطار العربيّة التي شهدت تحولات سياسيّة كبيرة، وأصبحت الدولة الوطنيّة في العديد من دول التحولات تعاني من الهشاشة والضعف، ولم تعد مطالب التحول الديمقراطيّ تحتلّ أولوية على الأجندات الدوليّة والوطنيّة لدول المنطقة. ومع صعود قوى التطرف والإرهاب في الإقليم وما شكّلته من تهديد للمنطقة والعالم، تفاقمت هذه الحالة؛ وأعادت ترتيب الأولويات، واتجهت المقاربة الوطنيّة نحو حماية الاستقرار واستدامة الأمن.

لقد جاءت المقاربة الأردنيّة وما انطوت عليه من خطاب سياسيّ واجتماعيّ في التعامل مع التحولات العربيّة وانعكاساتها المحليّة حالةً فريدة في المنطقة؛ إذ عبّر جلالة الملك عبدالله الثاني عن أن «الربيع العربي» شكّل فرصة وحافزًا للأردن للمضيّ قُدمًا في الإصلاح، وتَشكّل «الاستثناء الأردنيّ» على مدى العقد الماضي من مقاربة نوعيّة جمعت بين ثلاثة متغيرات؛

الأول: أولوية الاستقرار المحلّيّ وحماية الحدود وضمان سلامة التراب الوطنيّ ومنع تسلُّل العناصر الإرهابية؛ بينما كانت القوات المسلحة والأجهزة الأمنية تخوض معركة شرسة ضد الإرهاب داخل حدود المملكة وخارجها. وتمثلت سياسة الاحتواء الأمني بالابتعاد عن جميع أشكال المواجهة والصدام مع الحركات الاحتجاجية.

الثاني: الاستجابة والمرونة في التعامل مع المطالب الشعبيّة التي بدأت على شكل مطالب اقتصاديّة ثم تحولت إلى مطالب سياسيّة، وتوسيع قاعدة المشاركة بخطوات منضبطة.

الثالث: التغيير المستمر للحكومات كلما انسدّ الأفق أمام الخيارات الإصلاحية، والتقدُّم إلى الأمام بمبادرات إصلاحية جديدة.

واتسمت السنوات الخمس الأخيرة بالمزيد من التعقيد وانسداد الأفق الإقليميّ والدولي، وألقت هذه التداعيات بظلالها على المشهد الأردنيّ، وصمدت المملكة في مواجهة محاولات تصفية القضية الفلسطينية.

وقد واجه الأردن هذه المحاولات، كما واجه المحاولات السابقة، بإرادة صلبة ونضال سياسيّ فريد، إذ أكد جلالة الملك منذ البداية أنّ أيّ حلّ يجب ألّا يمسّ المصالح الوطنيّة الأردنيّة وألّا يكون على حساب الأردن بأيّ صورة، وأعلن جلالته رفضه لأيّ مبادرة لا تتّفق مع الحقوق الوطنيّة للشعب الفلسطيني التي ضمنتها الشرعية الدوليّة. وأثبت هذا الموقف أن النظام السياسيّ الأردنيّ شيّد تصورًا متينًا للذات الوطنيّة على مدى قرن لا يمكن اختراقه، حيث التقت الإرادة الشعبيّة للمواطنين –كما هي دومًا- بإرادة الملك في لحظات تاريخيّة فارقة. إنّ النظرة الاستراتيجية للقيادة الهاشمية، القائمة على ثبات الموقف والتمسُّك بالمبادئ وانتهاج الحوار وسياسة الاعتدال، والتي حظيت بالتفافٍ شعبيّ فريد حولها، كفيلةٌ بتحصين الدولة الأردنية في مئويتها الثانية، كما حصّنتها عبر مئويتها الأولى.

وفي أجواء الصمود السياسيّ للأردن جاءت جائحة (كوفيد-19) في مطلع عام 2020 لتضيف المزيد من التعقيد على الصعوبات الاقتصاديّة التي تعاني منها المملكة، في ظلّ ازدياد معدلات البطالة والفقر، وارتفاع الدَّين العام وتراجع النمو الاقتصاديّ.

لقد أفرزت التحديات والأزمات التي واجهها الأردن في السنوات الخمس الأخيرة، وطبيعة الاستجابات التي قدمها النظام السياسيّ، مجموعة من الحقائق، من أبرزها:

- التمسك بالمصالح الوطنيّة العليا بما يحقق المزيد من استقلال القرار السياسيّ الأردنيّ الداخليّ والخارجيّ.

- المرونة وتعدد الأدوار السياسيّة والخيارات الاستراتيجية سواء الإقليميّة أو الدوليّة.

- السعي الجدّي نحو المزيد من الاعتماد على الذات.

إن الأردن يدخل مئويته الجديدة ويطلق مشروعه في التحديث السياسيّ وهو في عافيةٍ وصحة سياسيّة أفضل مما كان عليه في أيّ وقت مضى، ويمارس خياراته الوطنيّة في التحديث السياسيّ بوصفها استحقاقًا وطنيًّا نحو استكمال بناء الدولة الوطنيّة الديمقراطيّة الحديثة.

محاور عمل اللجنة

حدّدت لجنة تحديث المنظومة السياسيّة في اجتماعها الأول وفي ضوء الرسالة الملَكيّة، محاور عملها في ستة محاور، وشُكّلت على هذا الأساس ستّ لجان فرعية انبثقت عن اللجنة العامة للوصول إلى توصيات ومقترحات تشكل أساس نتائج اللجنة بعد عرضها على الهيئة العامة والتوافق حولها، وهذه اللجان هي:

  1. لجنة قانون الانتخاب: ضمت (18) عضوًا، ومهمتها النظر في قانون الانتخاب لمجلس النواب والخروج بمسوّدة مشروع قانون يضمن توسيع قاعدة المشاركة والتمثيل، وصولًا إلى برلمانات قائمة على الكتل والأحزاب السياسية والتيارات البرامجيّة.
  2. لجنة قانون الأحزاب السياسية: ضمت (19) عضوًا، ومهمتها النظر في قانون الأحزاب السياسية والخروج بمسوّدة مشروع قانون جديد يؤسس لحياة حزبيّة برامجية فاعلة قادرة على إقناع الناخبين بطروحاتها والوصول إلى البرلمان.
  3. لجنة الإدارة المحليّة: ضمت (15) عضوًا، ومهمتها تقديم التوصيات المتعلقة بتطوير التشريعات الناظمة للإدارة المحليّة.
  4. لجنة تمكين المرأة: ضمت (14) عضوًا، ومهمتها تقديم التوصيات لتهيئة البيئة التشريعية والسياسيّة الضامنة لدور المرأة في الحياة العامة وتمكينها من المشاركة السياسيّة الفاعلة.
  5. لجنة تمكين الشباب: ضمت (11) عضوًا، ومهمتها تقديم التوصيات لتهيئة البيئة التشريعيّة والسياسيّة لتمكين الشباب وتوفير السبل الكفيلة لتحفيز مشاركتهم في الحياة الحزبيّة والبرلمانيّة.
  6. لجنة التعديلات الدستورية: ضمت (10) أعضاء، ومهمتها النظر في التعديلات الدستورية المطلوبة المتصلة بمسوّدتي مشروعَي قانونَي الانتخاب والأحزاب السياسية وآليات العمل النيابي.

كما شُكِّل مكتب تنفيذي يضم بالإضافة إلى الرئيس، رؤساء اللجان الستّ ومقرريها، ووزير الشؤون السياسية والبرلمانية، والناطق الإعلامي للّجنة، إضافة إلى نائبَين للرئيس، ومساعدتَين.

لقد توصلت اللجنة إلى توافق حقيقيّ على نتائجها كافة، وبرز التوافق منذ البداية خلال عمل اللجان الفرعيّة والهيئة العامة على حدّ سواء. وفي المجمل، توافقت اللجنة في حواراتها الداخلية على الجوهر، واحترمت تعددية الأفكار، وتَقبّل كلٌّ من أعضائها آراء الآخرين، ولم يتحول الاختلافُ بينهم إلى خلاف.

ولم تواجه اللجنة أيّ ضغوط خارجية مباشرة أو غير مباشرة، ولم تُفرَض عليها محددات لعملها من جهات رسمية أو غير رسمية؛ وفي المقابل تعاملت اللجنة مع مخاوف وهواجس شعبيّة ومواقف لبعض القوى السياسيّة واستوعبت هذا الأمر وتفهّمته باعتباره جانبًا من العمل السياسيّ ومن طبيعة مراحل التحول، خصوصًا لما يشكله قانونا الانتخاب والأحزاب السياسية من أهمية مفصلية في مسيرة الأردن الديمقراطيّة.

خلفية تاريخيّة: من التنمية السياسيّة والإصلاح إلى التحديث السياسيّ

قامت الدولة الأردنيّة قبل مائة عام على منهجية التطور المتدرّج، وابتعدت عن أفكار التغيير الشامل والمناهج الثورية في التغيير، ولعل هذا ما يفسر جانبًا من حالة الاستقرار ونضوج القيم السياسيّة للدولة التي بقيت وفيةً لهذا المنهج، وقابلةً للاستجابة لأفكار الإصلاح، ومتفهمةً للحاجة المستمرة للتطوير والتحديث.

تأسس الأردن الحديث على فلسفة الثورة العربيّة الكبرى وفكرها العروبي الذي أطلق روح التحرر العربي المعاصر، وفتح الآفاق أمام حركة النهضة العربيّة التي استعادت مكانة الثقافة العربيّة ودورها التاريخيّ، وأزال الغشاوة عن عيون العرب لرؤية وممارسة حقهم في التحرر السياسيّ وبناء مجتمعات معاصرة حديثة على مبادئ الوحدة والحرية والعدالة الاجتماعيّة والمساواة.

وقد أعلن الآباء المؤسسون للدولة الأردنيّة، منذ عهد الإمارة، إيمانهم بالديمقراطيّة والتعددية في خطابهم الرسمي وفي آليات تكوين النظام السياسيّ وتطوره، وكان جلّ أعضاء الحكومة الأردنيّة الأولى التي تشكلت في 11 نيسان 1921 ينتمون إلى حزب الاستقلال العربي، وعلى هذا الأساس أخذت مسارات نشأة مؤسسات الدولة تتبلور رغم ظروف الانتداب ومحددات التطور الاجتماعيّ والاقتصاديّ للمجتمع وما تفرضه من أولويات، إذ صدر القانون الأساسيّ في عام 1928، وهو بمثابة أول دستور للدولة، وفي العام نفسه صدر أول قانون انتخاب للمجلس التشريعيّ، وفي العام التالي جرت الانتخابات للمجلس التشريعيّ الأول.

منذ السنوات الأولى لتأسيس الإمارة، برزت المشاركة السياسية مبدأ راسخًا في سلوك النظام السياسيّ الأردنيّ، إذ أنشأ الأردنيّون الأحزاب السياسيّة التي مارست العمل السياسيّ والمعارضة المنظمة وشاركت في الانتخابات والحياة العامة، وكانت الأحزاب السياسية في جلّها في تلك المرحلة أدواتِ بناء وطنيّ ساعدت الدولة الأردنيّة الناشئة في مواجهة الانتداب، وفي تعزيز الخيارات والمنعة الوطنيّة؛ فقد عقد الأردنيّون مؤتمرات وطنيّة، ونظموا حوارات عميقة في ما بينهم ومع قيادتهم الهاشمية، وتوصلوا معًا إلى صيغ للمشاركة من خلال المجالس التشريعيّة والمجالس البلدية ومؤسسات المجتمع المدني، استنادًا إلى تقاليد الوئام والتفاهم الوطنيّين، وانعقد المؤتمر الوطنيّ الأردنيّ الأول في عمّان في عام 1928، وتبلورت فيه ملامح الأدوار الحقيقية للأحزاب السياسيّة والمؤسسات المدنية في البناء الوطنيّ بوصفها أدوات مساندة لتعزيز خيارات الدولة في البحث عن المصالح الوطنيّة، فكان لذلك المؤتمر دوره الكبير في مقارعة الانتداب، وكان للبلديات الأردنيّة مساهمتها في دعم نضال الملك المؤسس لنيل الاستقلال، وهو ما تحقق في عام 1946، وخاض الأردن حربَ فلسطين الأولى واستطاع الجيش العربي الحفاظ على الضفة الغربية والقدس الشرقية، وشهدَ عام 1950 قرار وحدة الضفتين التي شكّلت أول وحدة عربيّة اندماجية.

هذه الخبرة السياسيّة وما أفرزته من قيم، انعكست في دستور عام 1952، إذ أدرك المغفور له الملك طلال بن عبدالله عُمْقَ ما توصّل إليه النظام السياسيّ في حواره الدائم مع قواعده الشعبيّة وتنظيماتها السياسيّة من نضوج سياسيّ، فجُسّد ذلك في وثيقة دستورية ديمقراطيّة بقيت على مدى سبعين عامًا بمثابة «عامود البيت» للنظام السياسيّ والعقد الاجتماعيّ المعاصر الذي ينظم علاقة الدولة بمواطنيها. إذ تؤكد هذه الوثيقة استقلالية السلطات والفصل بينها والتوازن بينها وتعاضد مؤسسات الحكم، ولا تجزّئ وحدة الحقوق والواجبات.

وعلى هدي دستور عام 1952، قاد المغفور له الملك الحسين بن طلال، طيّب الله ثراه، مرحلة البناء والنهضة الوطنيّة التي شهدت استمرار مسيرة بناء مؤسسات الحكم ونضوجها وتطوير أدوات المشاركة السياسيّة، وإنشاء البنى التحتية اللازمة للتنمية الشاملة المستدامة، وإطلاق مسارات متعددة لتحديث المجتمع الأردنيّ.

وفي بداية تلك المرحلة ازدهرت الحريات العامة والحياة الحزبيّة، واستطاعت الأحزاب الأردنيّة خوض الانتخابات والوصول إلى البرلمان، وبرزت كتل سياسيّة قوية استطاعت تشكيل أول حكومة برلمانيّة في عام 1956، مثّلت تجربة مهمة في التاريخ السياسيّ الأردنيّ، لكنّ ظروفًا معقّدة داخلية وإقليمية ساهمت في إخفاق تلك التجربة وتعطيل الحياة الحزبيّة، لعل أبرزها عدم نضوج الأداء السياسيّ للأحزاب في ذلك الوقت، والقصور في فهم حدود العمل الديمقراطيّ؛ وتجسّد ذلك في خلط الحكومة بين مفهومَي (الولاية الدستورية) و(الاستفراد بالحكم)، ومنح الامتدادات العقائدية الخارجية الأولويةَ على الاعتبارات الوطنيّة، الأمر الذي أدى إلى حظر الأحزاب السياسيّة وفرض الأحكام العرفية، فلا يمكن القبول بالتدخّل الخارجي، أو الاستقواء على النظام السياسيّ، أو اللجوء إلى القوة والمحاولات الانقلابية.

لقد كانت تلك التجربة سببًا في انتكاسة الحياة الحزبية، ولا يجوز أن تكون نموذجًا تُبنى عليه رؤيتُنا اليوم للتحديث السياسيّ، بل هي محطّة تجدُر الاستفادة من عِبَرها والسعي لعدم تكرارها، والأمر نفسه ينطبق على أحداث عام 1970 عندما حاولت فئةٌ صغيرة تهديد الأمن والاستقرار، لكن الأردنّ استطاع تخطّيها منهيًا حالةً من الاستقطاب والخروج عن الشرعية بالتفاف الشعب بمكوناته كافة حول قيادته وجيشه.

وقد واجهت مسيرة تنمية الحياة السياسيّة ضربة أخرى باحتلال الضفة الغربية في عام 1967، الأمر الذي حال دون إجراء الانتخابات النيابية. ثم جاءت مقررات قمة الرباط (1974) التي عدّت منظمةَ التحرير الفلسطينية الممثلَ الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وأدّى ذلك إلى تعطيل الحياة البرلمانيّة وحلّ المجلس النيابي التاسع عام 1974، وتراجعت الحياة السياسيّة، وغاب مجلس النواب لسنوات عديدة. ومع كل تلك التحديات والعوائق التي حالت دون استمرار تطوير الحياة السياسيّة، حرص النظام السياسيّ الأردنيّ على تطوير أدوات بديلة لضمان أشكال أخرى من المشاركة السياسيّة، مثل تجربة الاتحاد الوطنيّ العربي الذي شُكِّل في عام 1971، والمجلس الوطنيّ الاستشاري الذي أُسس في عام 1978 واستمر عمله حتى عام 1984.

ظلّت عودة الحياة البرلمانيّة والحزبيّة هاجسًا دائمًا للملك الحسين بن طلال، وكان قرار فك الارتباط القانوني والإداري بالضفة الغربية في عام 1988 قد مهّد لقناعة الملك بضرورة عودة الحياة الديمقراطيّة، وفي الوقت نفسه سرّعت الاحتجاجات الشعبيّة التي شهدتها مدن جنوب المملكة عام 1989 وما رافقها من مطالب سياسيّة في إطلاق مسار التحول الديمقراطي بدءًا بعودة الحياة البرلمانيّة.

وعملت تلك التطوّرات السياسيّة الداخليّـة على إطلاق عملية إصلاح سياسيّ شامل، وزيادة هامش المشاركة السياسيّة، ورفع بعض القيود عن الحريّات العامة، إذ ألغي قانون الإدارة العرفية (قانون الطوارئ)، وشُكلت لجنة لصياغة الميثاق الوطنيّ (1990)، وتبع ذلك صدور سلسلة من التشريعات التي هدفت إلى تنظيم الحياة السياسيّة في البلاد.

وجاء اعتلاء جلالة الملك عبدالله الثاني، حفظه الله، عرشَ المملكة مصحوبًا بآمال كبيرة باستئناف التحول الديمقراطيّ وتحقيق المزيد من الإصلاحات، على الرغم من الظروف الاقتصادية الصعبة التي كانت تعيشها المملكة والتراجع الحاد لمواردها؛ حيث برزت خطوات عدة في هذا الاتجاه، منها استدامة إجراء الانتخابات النيابية، ومبادرات لتطوير النظام القضائي، والانفراج الذي شهدته الحريات الإعلامية، وإنهاء احتكار الدولة للبث التلفزيوني والإذاعي.

إلّا أن حالة الطوارئ الدوليّة والإقليميّة، المتمثلة في أحداث أيلول 2001 في الولايات المتحدة، واحتلال العراق في عام 2003، وما تبع ذلك من تدفُّق اللاجئين العراقيين إلى الأردن، وتصدُّر «الحرب على الإرهاب» المشهدَ، أثّرت في مسار الإصلاحات السياسيّة، ومنحت الاستقرارَ في بعده الأمني أولويّة وطنية.

لقد اعتمد النظام السياسيّ الأردنيّ في العقد الأول من القرن الجديد مقاربةَ التكيُّف الإيجابي مع التحولات الكبيرة التي أحالت البيئةَ الاستراتيجية والأمنية إلى حالة من الهشاشة عقب احتلال العراق، واستندت هذه المقاربة إلى ثلاثة عناصر أساسية؛ الأول: ضمان الاستقرار الداخلي؛ والثاني: حماية تماسك المؤسسات السيادية واستدامة عمل المؤسسات التمثيلية وفي مقدمتها استدامة إجراء الانتخابات النيابية؛ والثالث: طرح مجموعة من المبادرات والبرامج الوطنيّة التي هدفت إلى خلق نوع من التكيُّف الوطنيّ الداخلي المرتبط بالمشاركة والإصلاح السياسيّ؛ مثل:

- مبادرة لأردن أولًا(2002)، التي رفعت شعارات تعزيز أسس الدولة الديمقراطيّة العصرية، وترسيخ روح الانتماء بين المواطنين، وتقوية مفاهيم الديمقراطيّة البرلمانيّة وسيادة القانون.

- تأسيس المركز الوطنيّ لحقوق الإنسان (٢٠٠٢) لبناء إطار مؤسسي وطنيّ مستقلّ لحماية حقوق الإنسان والحريات العامة في الأردن.

- إطلاق الأجندة الوطنيّة» (2005)، وهي خطة عمل تضمنت إصلاحات سياسيّة في المجالات القانونية والإجرائية والأطر المؤسسية، وتعاملت معها الحكومات بوصفها خطة استرشادية.

- إطلاق برنامج كلنا الأردن، وتضمّن إنشاء هيئة شباب كلنا الأردن (2006) لتكون إطارًا مؤسسيًّا للمشاركة الشبابية ولتفاعل الشباب مع السياسات والبرامج الموجَّهة لهم في مجالات التنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة.

- إنشاء هيئة مكافحة الفساد في عام 2006، بعد مصادقة المملكة على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، تعبيرًا عن إرادة سياسية لمحاصرة الفساد وتجفيف منابعه.

في العقد التالي، بدت التحولات في المنطقة العربيّة التي أُطلق عليها اسم «الربيع العربي» فرصةً أردنيّة لاستئناف مسار الإصلاحات السياسيّة، فقد استطاع الأردن عبور هذه المرحلة بسلامة ودشّن حالة فريدة تمثلت في حماية الاستقرار وتحقيق خطوات إيجابية على طريق الإصلاح السياسيّ، فطوّر النظام السياسيّ سلسلة من المبادرات السياسيّة أبرزها لجنة الحوار الوطنيّ التي شُكلت في بدايات الحراك الشعبي في 14 آذار 2011 وكُلّفت بإدارة حوار وطنيّ مكثّف لمراجعة التشريعات التي تتصل بمنظومة العمل السياسيّ، واللجنة الملَكيّة التي ِشُكّلت في 26 نيسان 2011 لمراجعة نصوص الدستور بما يضمن ترسيخ التوازن بين السلطات والارتقاء بالأداء السياسيّ الحزبيّ والنيابي وصولًا إلى صيغة دستورية تمكّن مجلس الأمة من القيام بدوره التشريعيّ والرقابي بكفاءة واستقلالية.

في تلك الفترة، بدأ جلالة الملك عبدالله الثاني بنشر الأوراق النقاشية، وهي سلسلة أوراق سياسيّة هدفت إلى توسيع النقاش الوطنيّ حول الإصلاح الشامل، وتناولت محاور رئيسة في تطوير نظام سياسيّ ديمقراطيّ، وتعدّ هذه الأوراق أحد الابتكارات السياسيّة التي ساهمت في توسيع النقاش الوطنيّ، وشكّلت مفاتيح لتحديث الحياة السياسيّة، وحدّدت الهدف النهائي لعملية التحديث السياسيّ بديمقراطيّة أردنيّة متجددة وحيوية، ترتكز على ترسيخ متدرِّج لنهج الحكومات البرلمانيّة تحت مظلة الملَكيّة الدستورية، معزَّزًا بمشاركة شعبيّة فاعلة أو ما يسمّى المواطنة الفاعلة.

لقد استطاعت الأدوات التي طوّرها النظام السياسيّ الأردنيّ في هذا السياق استيعابَ تداعيات تلك المرحلة، وتأمين عبور الأردن الآمن لها، وحماية الاستقرار الوطنيّ، كما أفضت إلى تحقيق عدد من الإصلاحات السياسيّة من أبرزها:

  1. التعديلات الدستورية التي شملت تعديل ثلث مواد الدستور تقريبًا.
  2. إصلاحات متصلة بتشريعات الحياة السياسيّة، شملت إقرار قانون الانتخاب المعدل لسنة 2012، وإقرار قانون الأحزاب السياسيّة، ثم قانون الانتخاب لسنة 2016 الذي أحدث تغيرات جوهرية على النظام الانتخابي بإلغاء نظام الصوت الواحد وإقرار القوائم النسبية.
  3. إنشاء مؤسسات جديدة لحماية الديمقراطيّة والمشاركة، هي: الهيئة المستقلّة للانتخاب، والمحكمة الدستورية.

لقد حقق النظام السياسيّ في تلك المرحلة مهمّة حماية الاستقرار الوطنيّ، ونأى بالمملكة عن حلبة الفوضى الإقليميّة، وأنجز حلقة مهمة من الإصلاحات السياسيّة، رغم عودة الحراكات المطلبية.

هذا العرض التاريخي جاء ليؤكد قناعة اللجنة الملَكيّة لتحديث المنظومة السياسيّة بأن عمليات التطوير والإصلاح السياسيّ مستمرة وتراكمية مرت بمراحل متعددة، وأن مهمتها اليوم استكمالُ الجهود الكبيرة التي أُنجزت والبناء عليها والانتقال إلى مرحلة التحديث السياسيّ.

مفهوم التحديث السياسيّ

شهد الأردن حضور التنمية السياسيّة في مسيرته منذ نشأة الدولة، بخاصة في عمليتَيّ التشريع والمأسَسة؛ وشمل ذلك سنَّ القانون الأساسي والتشريعات المنظمة للحياة السياسيّة وصولًا إلى إقرار دستور عام 1952 وما طاله لاحقًا من تعديلات؛ إضافة إلى استمرار سنّ التشريعات السياسيّة وتطويرها، وتأسيس السلطات الدستورية وتنميتها، وتمتين مؤسسات الحكم ومؤسسات التمثيل السياسيّ والمشاركة.

ولأنّ عملية التنمية السياسيّة عادةً ما تواجه تحديات ومعوقات، وقد تتوقف في محطات أو تتراجع في أُخرى، فإن الحياة السياسيّة تتطلب مراجعةً وإصلاحات كلّما عجزت الأدوات السياسيّة عن تحقيق أهداف المشاركة وتحقيق العدالة وتكافؤ الفرص.

لقد حقّق الأردن التنمية السياسيّة؛ وبعد مرور قرن في عمر الدولة لا يجوز الاستمرار في الحديث عن التنمية السياسيّة التي كانت مطلبًا حقيقيًّا في مراحل سابقة، كما أنجز النظام السياسيّ سلسلة من الإصلاحات المهمة في الجوانب التشريعيّة والمؤسسية، الأمر الذي يتطلب الانتقال إلى مفهوم التحديث السياسيّ.

إنّ التحديث ظاهرة اجتماعيّة تُعنى بالانتقال بالمجتمع والدولة إلى مرحلة أكثر تقدمًا وتطورًا، ويشمل هذا تطوير مسارات جديدة تتضمن تحديث النظام السياسيّ والنظام الاقتصاديّ وربطهما بالتنظيم القائم على الكفاءة وتعظيم المصالح وتراكم الموارد وتجديدها وبناء القيم والممارسات الإنتاجية ونشر الأفكار الجديدة والابتكارات والتِّقانة، وصولًا إلى تحديث المجتمع الذي يتيح بدوره ظهورَ أنساق اجتماعيّة وثقافيّة تعزّز ثراء المجتمع وقوة الدولة وتحسّن نوعية حياة المواطن.

إنّ التحديث السياسيّ في الفهم الأردنيّ يعني الانتقال إلى نظام سياسيّ متطور يبني الأردنيّون والأردنيّات من خلاله نموذجهم الديمقراطيّ وبمواصفات أردنيّة ويفيد من التراث الإنساني للديمقراطيّة.

شروط بناء النموذج الديمقراطيّ الأردنيّ ومنطلقاته

انطلاقًا من أن التحديث السياسيّ وبناء النموذج الديمقراطيّ الأردنيّ لا يستقيم بمجرد تطوير تشريعات سياسيّة حديثة، بل يحتاج بالإضافة إلى ذلك إلى بنية تحتية ترتبط بالمؤسسات، ومجالٍ عام ملائم للنضوج الديمقراطيّ، وسياقاتٍ اجتماعيّة وثقافيّة موازية تعمل جميعها على تسهيل عملية الانتقال السياسيّ السلس والآمن، فقد توافقت اللجنة في نقاشاتها على مجموعة من المنطلقات والشروط التي تشكّل مجتمعةً البيئةَ الحاضنة لبناء النموذج الديمقراطيّ الأردنيّ المطلوب، وهي:

  1. تحديث وطنيّ شامل ومتكامل

إن التحديث السياسيّ لا ينمو ولا يزدهر من دون تحديث وطنيّ شامل ومتكامل يشتمل على التحديث والتطوير الاقتصاديّ، والتحديث والتطوير الإداري والقضائي، وصولًا إلى تحديث المجتمع في أنساقه الثقافيّة والاجتماعيّة المتعددة.

قد يكون التحديث السياسيّ مقدمةً لمجالات التحديث الأخرى وقد يجري بالتوازي معها، ولأنّ الدولة الأردنيّة قطعت أشواطًا طويلة في التنمية والتحديث، فإنها اليوم بحاجة إلى مواصلة هذه المسيرة في المجالات كافة كما أشارت الرسالة الملَكيّة، وهو ما كان جلالة الملك قد كرّره في أوراقه النقاشية.

يرتبط شرط الشمولية والتكامل في التحديث السياسيّ بدائرتين أساسيتين؛ تتمثل الأولى في البيئة الداخلية للتحديث السياسيّ بما تنطوي عليه من تحولات وعمليات تمسّ التشريعات وبنى المؤسسات وما يتصل بها من حريات عامة ومنظومة حقوق الإنسان. أما الدائرة الثانية فهي البيئة العامة الأشمل التي تعنى بالتحديث الاقتصاديّ والتحديث الإداري والقضائي وصولًا إلى تحديث المجتمع.

وترى اللجنة أن النتائج التي توصلت إليها في مجالات تحديث التشريعات السياسيّة الرئيسة تحتاج إلى توفير بيئة ملائمة من الحريات العامة والانفتاح ومنظومة حقوق إنسان متكاملة؛ بما يتيح إنضاج مجال عام تعدُّدي يتيح للأفراد والجماعات والأحزاب السياسية والمؤسسات المدنية حرية الحركة والتعبير والمشاركة ضمن سقف القانون، وبما يكفل الانتقال السلس لمرحلة سياسيّة جديدة. ويمتدّ بناءُ المجال العام الديمقراطيّ ليشمل الانفتاحَ في حرية التعبير ضمن حدود المسؤولية واحترام حقوق الآخرين وخصوصياتهم وبما يحول دون نشر خطاب الكراهية والإقصاء، وصولًا إلى حرية التجمع والعمل النقابي المهني وحرية التنقل والحق في الأمن والحد من أعمال التوقيف الإداري.

أما تحديث المنظومة الإدارية العامة فشرطٌ أساس لعملية التحديث الشاملة والمتكاملة، وركنٌ من أركان ورشة تحديث الدولة الذي يتطلع إليه الأردنيّون والأردنيّات في مطلع المئويّة الثانية، ولا يمكن أن يكون التحديث الإداري سابقًا للتحديث السياسيّ، فالإدارة ذراعٌ تنفيذيّة تطبّق الرؤية السياسيّة، الأمر الذي يعني أن التطبيق مرهون بالإدارة وهو ما يحدد مدى النجاح أو الفشل.

لقد تقدّمت الإدارة العامة الأردنيّة على مستوى المنطقة، ويشير سجلُّها إلى تحقيق إنجازات كبيرة، لكنْ توقّف آليات التحسين المستمر وترهُّل الجهاز الإداري والتعثّر في مواكبة الحداثة أدّت إلى تراجع الكفاءة العامة.

إن التحديث السياسيّ المنتظَر سيتوقف جانبٌ منه -كما هي الحال في تحديث الدولة الأردنيّة- على تحديث الإدارة العامة بما يجعلها تتسم بالرشاقة، ولتكون ذات هياكل أكثر قدرة على الاستجابة لمتطلبات التغيير والعصر، وأكثر تأهيلًا للموارد البشرية، وأكثر قدرةً على الاستجابة للمساءلة والشفافية.

وبما أن النظام الاقتصاديّ الأردني يعاني من تشوُّهات مزمنة تتجسّد في ضعف مخرجاته وتعذُّر قدرته على النمو، الأمر الذي يستدعي تعزيز الإنتاجية وتوفير فرص العمل، فإن تحديث النظام الاقتصاديّ كان وما زال همًّا وطنيًّا كبيرًا يرتبط بالتحديث السياسيّ، ولا يمكن فصل المسارَين على المدى البعيد عن بعضهما بعضًا، فالمجالان يمارسان تأثيرات متبادلة لصالح منظومة التحديث الشامل والمتكامل.

ولعلّ التجربة الأردنيّة، أسوةً بتجارب العديد من دول العالم، تثبت أن التحديث السياسيّ قد يتقدم خطوةً على التحديث الاقتصاديّ ولكن التحديث الاقتصادي يجب أن يتبعه مباشرة وألّا يتأخر، فإنّ هذا ما يفسّر نجاح الدولة الأردنيّة في تمرير إصلاحات اقتصاديّة في ظل الانفتاح السياسيّ والتحول الديمقراطيّ بعد عام 1989، فلم تكن برامج التصحيح الاقتصاديّ لتُنفَّذ لولا وجود برلمانات وأدوات مشاركة وقدرٍ من حرية التعبير ساهمت في شرح هذه البرامج وتوضيح أهميتها.

إنّ الديمقراطيّة تمثل في أحد أبرز وجوهها منهجيةً لإدارة الخيارات الاقتصاديّة والاجتماعيّة، وهيكلها لا يُبنى إلّا بالاقتصاد، أيْ خيارات المجتمع في برامج الخدمات والبنى التحتية والتعليم والصحة وإدارة الأسواق والعمل وغير ذلك. وعبر التاريخ الحديث يتنافس السياسيّون على طرح أفضل البرامج الاقتصاديّة التي توفر حلولًا لمشاكل المجتمعات، الأمر الذي يؤكد أن الديمقراطيّة ليست نظامًا سياسيًّا مجردًا، بل آلية لتحقيق مصالح الناس، التي هي في الغالب مصالح اقتصاديّة ترتبط بالعيش والعدل والكرامة.

إن الديمقراطيّة الأردنيّة المنشودة لا يمكن أن تزدهر من دون أن يشهد المجتمع تطورات لصالح الطبقة الوسطى تعمل على توسيع قاعدتها وتحسين جودة حياتها وخياراتها، فهي البنية التحتية والنسيج الاجتماعيّ القادر على خلق إزاحة حقيقية لصالح التحديث الاقتصاديّ والسياسيّ معًا.

ولا بد من معالجة تنامي البطالة في أوساط الشباب، وهذا يتطلب حلولًا سريعة وفورية والتخلُّص من العراقيل الإدارية والمالية التي تواجههم في تنفيذ مشاريعهم ومبادراتهم، فهم جيلُ الحاضر والمستقبل، مثلما يجب اغتنام نتائج الزيارات الملَكيّة لدول العالم وفتح آفاق جديدة أمام القطاع الخاص وأمام الاستثمارات الكبرى التي تساهم في تخفيض كُلَف الإنتاج وتحسين نوعية حياة المواطنين وتوفير البنى التحتية المناسبة للنمو والازدهار.

إن التحولات المنتظَرة في منظومات التحديث السياسيّ والإداري والاقتصاديّ ستصبّ في النتيجة لصالح تحديث المجتمع الأردنيّ في أنساقه الثقافيّة، وغرس قيم الحداثة إلى جانب قيمه الأصيلة، ونشر الرؤية العقلانية والنزعة إلى الانفتاح والعالمية، وفي المحصلة زيادة قوة الدولة وثراء المجتمع.

  1. ديمقراطيّة تناسب الأردنيّين

لا توجد دولة تشبه دولة أخرى في مسارها التاريخيّ نحو الديمقراطيّة، ولا يوجد عمليات انتقال سياسيّ في العالم المعاصر لم تأخذ في الاعتبار مستويات التطور الاجتماعيّ والاقتصاديّ لشعوبها، في الوقت الذي أثبتت فيه الأدبيات السياسيّة المعاصرة أن الفشل هو مصير النَّسْخ الكربونيّ للتجارب الديمقراطيّة، فالديمقراطيّات ليست وصفات يمكن أن تُستورَد من الخارج.

كان جلالة الملك عبدالله الثاني في لقائه الأول مع اللجنة الملَكيّة لتحديث المنظومة السياسيّة (15 حزيران 2021) واضحًا، ومدركًا تمامًا للتجارب والخبرات العالمية والاعتبارات الوطنيّة في مسار البناء الديمقراطيّ، وهذا ما عبّر عنه جلالته بقوله: "هدفنا تطوير المنظومة السياسيّة، وصولًا للحياة البرلمانيّة والحزبيّة التي تناسب الأردنيّين ومسيرة الأردن الديمقراطيّة."

وتدرك اللجنة أن هناك قواسمَ مشتركة ومبادئ عامة توافقت عليها التجارب والممارسات الديمقراطيّة في النظُم المختلفة لا يمكن تجاوزها، وتراثًا إنسانيًّا مشتركًا للديمقراطية. كما هي الحال في إدراك أن الثقافة العربيّة ومن ضمنها ثقافة الأردنيّين وقيمهم، منسجمة تمامًا ولا تتعارض مع النهج الديمقراطيّ والرغبة في المشاركة.

إذن؛ ما الذي يناسب الأردنيّين وما الذي لا يناسبهم؟

  • إن النموذج الديمقراطيّ الأردنيّ نابع من الداخل، ويعكس الإرادة السياسيّة الوطنيّة، ويعبّر عن مصلحة وطنيّة حقيقية حان وقت استحقاقها بعد مائة عام من تأسيس الدولة. هذا النموذج لا يقبل الوصفات الخارجية ولا يقبل التدخل الخارجي، كما لا يقبل الامتدادات العقائدية والتنظيمية للأحزاب والتنظيمات السياسيّة.
  • إن مسار نضوج النموذج الديمقراطيّ الأردنيّ المتمثل في تحديث الحياة البرلمانيّة والحزبيّة البرامجيّة يجب أن يبدّد مخاوف أيّ طرف أو مكون اجتماعيّ من أن يوظَّف التحديثُ السياسيّ لأهداف أخرى غير المصلحة الوطنية. إنّ الديمقراطيّة الأردنيّة يجب أن تعمل لصالح الجميع وأن يعمل الجميع لصالحها، وإنّ العدالة وتكافؤ الفرص هما الأساس.
  • لقد ترك تعثُّر الحياة الحزبيّة في الخمسينيات من القرن الماضي، ثم عودتها الضعيفة، إرثًا قاسيًا وصورة نمطية حول الأحزاب السياسية لا يمكن تغييرها بالتشريعات أو بقرار سياسيّ، بل تحتاج إلى عمل سياسيّ وإداريّ وثقافيّ على المدى المتوسط لطمأنة المواطنين بأن تمكين الأحزاب السياسية واستعادة دورها أصبح خيارًا وطنيًّا لا رجعة عنه وأن انخراط المواطنين في العمل الحزبي جزءٌ من المشاركة المطلوبة وجزء من مساهمتهم في البناء الوطني؛ كلّ ذلك يتطلب بناء صورة ذهنية ووعي مجتمعي حول العمل الحزبيّ ومكانته المركزيّة في الديمقراطيّة.
  • تَشكّل المجتمع الأردنيّ على التنوع منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، واستمر في تطوير قدرته على الاستيعاب والإدماج، وخلال هذه التجربة استطاع الأردنيّون والأردنيّات تطوير خبرة في الوئام الاجتماعيّ والسياسيّ واستطاع نظامهم السياسيّ تطوير مقاربات منها ما هو موثَّق في التشريعات ومنها ما أصبح تقليدًا وطنيًّا في الحفاظ على حقوق جميع الفئات الاجتماعيّة وأدوارها. والنموذج الديمقراطيّ الأردنيّ الحديث يعمل على حماية التنوع وعلى زيادة كفاءة النظام السياسيّ في الإدماج كي تعمل الديمقراطيّة من أجل الجميع ويعمل الجميع من أجلها.
  • تربط العديد من تيارات الحداثة السياسيّة في العالم بين التحديث السياسيّ وإعادة بناء الدول وصولًا إلى ما يسمّى (إعادة اختراع الحكومة)، بمعنى أن الحداثة السياسيّة المتطرفة تسعى إلى تحويل السلطة التنفيذية إلى مجرد حكم محايد بين آليات السوق، الأمر الذي يقود إلى تجريد الدولة من وظائفها التاريخيّـة وتراثها في ترسيخ العدالـة الاجتماعيّة، وتحويل المؤسسات السياسية إلى كيان رمزي هشّ بحجّة الحداثة السياسية. إن النموذج الديمقراطيّ الأردنيّ لا يقبل بهذا المنظور؛ بل إن التحول الديمقراطيّ وفقًا للرؤية الأردنية يجب أن يعمل لصالح قوة الدولة وثراء المجتمع معًا.
  • شُيّدت الدولة الأردنيّة على مدى قرن بفعل الاستقرار، وواجهت حالةَ الطوارئ المحيطة التي لم تتوقف في الإقليم على مدى عقود، وأصبحت الخبرةُ الأردنيّة في إدارة الاستقرار مضربًا للمثَل وقيمةُ الأمن قيمةً اجتماعيّة يعتزّ بها المواطنون كافة، لذا يجب أن يعمل النموذج الديمقراطيّ الأردنيّ من أجل الاستقرار ويجعل الديمقراطيّةَ مصلحةً للأمن الوطنيّ، وعليه في الوقت نفسه ألّا يقبل التذرُّع بالاعتبارات الأمنية التقليدية لإبطاء حركة الديمقراطيّة أو تقييد الحريات العامة.
  1. هويّة وطنيّة تدمج الجميع

يجتمع الأردنيّون على نسيج الهويّة الوطنيّة التي تكوّنت على مدى الأزمنة، وتعزّزت بفعل الانتماء ورسوخ القِيَم التي دشّنتها الدولة الأردنيّة المعاصرة، إذ جعل الأردن من الإسلام والقومية العربيّة عنصرَين ومكوِّنَين أساسيَّين للهويّة الوطنيّة، ووازن بينهما بصورة تحقق الاندماج والتصالح على المستويَين السياسيّ والاجتماعيّ، ويعرّف الأردنيّون أنفسهم بالهوية الأردنيّة العربيّة الإسلامية ويدركون معنى هذا التعريف في ممارساتهم وخياراتهم اليومية والمصيرية، وفي تشكلهم التاريخيّ، وفي خيارات دولتهم السياسيّة والاجتماعيّة، وفي منظومة الرموز الوطنيّة المعاصرة التي تنتمي إلى فكر النهضة العربيّة وتسمو بالقيم والتراث الإسلامي.

والأردنيّون والأردنيّات من الأصول والمنابت والأعراق كافة هم أردنيّون في الانتماء والولاء والشعور الوطنيّ والمصير؛ أغنوا الهويّة الوطنيّة بتعدُّديتهم وتنوُّعهم، ومنحتهم الهويّة الوطنيّة لونَهم المشترك ومصيرهم الواحد.

لقد عُرفت الدولة الأردنيّة بقدرتها الكبيرة على الدمج الاجتماعيّ في الهويّة الوطنيّة، وعُرف المجتمع الأردنيّ باستعداده لهذا الدمج، وحرصت الدولة على التوازن في سياساتها وفي قدراتها التوزيعية التي تخدم قوة الهويّة الوطنيّة ووضوحها، إذ قام هيكل الدولة الأردنيّة على التوازن بين قيم الاعتدال والحداثة؛ فاستطاع المواءمة بين الماضي والحاضر، وأتاح الفرصة للتمازج بين القيم المدنية والدينيّة، والتوازن بين الحقوق والواجبات على المستوى الأفقي.

لقد واجهت الهويّة الوطنيّة في العقود الأخيرة تحديات عديدة، لعلّ أبرزها نموّ الهويّات الفرعيّة والنزعات الجهويّة والانتماءات لمرجعيات فرعيّة، الأمر الذي جعلَ فئات محدودة تعتقد أن بإمكانها تعريف الهويّة الوطنيّة بدوائرها الضيقة، كأنها في مواجهة مع فئات أخرى. وهذه النزعات يجب تجاوُزها في سياق التطور السياسي والثقافي للمجتمع.

إنّ الهويّة الوطنيّة التي تدمج الجميع وينتمي إليها الجميع، أحدُ الشروط الأساسية لبناء النموذج الديمقراطيّ الوطنيّ، وهي هويّة مركزيّة جامعة تلفظ الهويّات الفرعيّة وتحتفي بالثقافات الفرعيّة للمجتمعات المحليّة وللمدن والقرى والجماعات، والهويّةُ القوية المتماسكة هي إثراءٌ حقيقيّ للنموذج الديمقراطيّ الوطنيّ.

إن التخلّصَ من أوهام الهويّات الفرعيّة وإثراءَ الهويّة الوطنيّة المركزيّة الجامعة في سياق استكمال النموذج الديمقراطيّ الوطنيّ، يتطلّبان ثلاثة شروط أساسية؛

  1. المشاركة السياسيّة والمدنية؛ فكلّما استطاع النظام السياسيّ توفير آلية ضامنة ومحفّزة على المشاركة السياسيّة والانخراط في الأطُر التنظيمية المدنية، ازدادت ثقةُ المواطنين والمواطنات بأهمية اندماجهم بالشؤون العامة وتَعمّق لديهم الشعورُ الجمعيّ المشترك وتعزّزت إرادتهم ورغبتهم في التنافس والتكامل من أجل الخدمة العامة.
  2. إحداث تغيُّر تاريخيّ في مزاج المجتمع وشعوره وإدراكه للعلاقات وإعادة تشكيل التوقُّعات العامة، استنادًا إلى أنّ الالتفاف حول هدف كبير أو فكرة كبرى أحد تعبيرات الهويّة في التجارب الناجحة. إنّ الأردن يمتلك القدرة والرصيد على خلق الهدف الوطنيّ الكبير، ولعلّ مئويّة الدولة وقوّة النظام السياسيّ وقِيَمه ومشروعه الراهن في تحديث الدولة هي الأساس لهذا الهدف.
  3. تعزيز الوطنيّة الأردنيّة القائمة على الانفتاح وتعميق رموزها من خلال تنمية القوّة الناعمة للدولة والمجتمع وتنمية سرديّة وطنيّة جامعة ذات مسارات متعدّدة في مؤسسات التعليم والثقافة والإعلام.
  4. المواطنة الفاعلة

إنّ تنمية المواطنة الفاعلة شرطٌ أساسيّ لنضوج النموذج الديمقراطيّ الوطنيّ، ومن دونها لا يمكن تطوير عمل الأحزاب السياسية ولا التقدُّم نحو برلمانات قوية، والمواطنةُ الفاعلة هي جوهر الديمقراطيّة التي تُدشَّن من أجل المواطن، فالمواطن فيها هو الوسيلة والغاية.

لقد استطاع الأردن في المئويّة الأولى تدشين نموذج وطنيّ لدولة تعمل لجميع مواطنيها، على أساسٍ من العدل والمساواة واحترام سيادة القانون. ولأنّ المواطنة تقوم على ثنائيّة الحقوق والواجبات، فإنّ هذه العلاقة ما تزال بحاجةٍ إلى تنمية، ولا بدّ من الاعتراف بأنّ معادلة الحقوق والواجبات تَعرّضت لاختلالاتٍ عديدة في مراحل مختلفة، ولا يمكن المضيّ قُدمًا في بناء النموذج الديمقراطيّ الوطنيّ من دون إصلاحها، ولعلّ ذلك يبدو في الإجابة على ثلاثة أسئلة:

  • كيف يمكن جعل القوانين والمؤسسات تعمل من أجل الجميع ولصالح الجميع، وتحمي حقوق الجميع في الحصول على الخدمات العامة والعمل والتعليم والصحة والموارد، وتضْمن تكافؤ الفرص لهم؟
  • ما الآليات الضامنة لتنمية انخراط فئات المجتمع كافة في المشاركة السياسيّة وفي الشؤون العامة والمساءلة العقلانية والرشيدة؟
  • كيف يمكن الدمج بين المواطنة الفاعلة والوطنيّة المنتمية معًا؛ لتكون المواطنةُ القائمة على نيل الحقوق وأداء الواجبات وتحمُّل المسؤولية والانتماء أساسَ الوطنيّة والشعور الجمعيّ لدى الأردنيّين والأردنيّات؟

لقد أوضح جلالة الملك عبدالله الثاني في الورقتين النقاشيّتَين الثانية والرابعة أهمية المواطنة الفاعلة في النظام الديمقراطيّ الأردنيّ ومتطلّبات تنميتها وأنها أساس المشاركة السياسيّة والعامّة التي ترتكز على ثلاثة أسس رئيسة هي: حق المشاركة، وواجب المشاركة، ومسؤولية المشاركة الملتزمة بالسلميّة والاحترام المتبادل. وانطلاقًا من رؤية الأوراق النقاشية فإن تنمية المواطنة الفاعلة في سياق النموذج الديمقراطيّ الأردني يجب أن تنطلق من المبادئ التالية:

  • الحقّ: إنّ الانخراط في الحياة السياسيّة يشكل حقًّا أساسيًّا لكل مواطن، مع وجوب حماية المجال العام للتعبير الحرّ عن الآراء السياسيّة المختلفة»، وهذا يتطلّب سياسات عامة تجعل البيئة السياسيّة أكثر انفتاحًا وتعدديةً وأمنًا لممارسة النشاط السياسيّ، وتمنح المواطنَ الشعور بالجدوى من الانخراط في الشؤون العامة.
  • الواجب: إنّ المشاركة السياسيّة في جوهرها تشكّل مسؤوليةً وواجبًا. فعلى كل مواطن أن يتحمّل جزءًا من هذه المسؤولية عبر اختيار شكل المستقبل الذي ننشده للأجيال القادمة. وواجبنا كمواطنين لا ينتهي بمجرّد القيام بعملية التصويت في أيّ انتخابات وطنيّة، بل يمتدّ ليشمل التزام كلّ مواطن بالمشاركة الفاعلة في الحياة المدنيّة والسياسيّة بشكل يوميّ».

إنّ تعزيز فكرة الواجب الوطنيّ في المشاركة والانخراط في الشؤون العامة يتطلّب من مؤسسات التنشئة الاجتماعيّة والإعلام عملًا تراكميًّا في خلق الوعي بهذه القيمة، ويتطلّب سياسات موجَّهة للشباب والأجيال الجديدة تُعلي من قيمة هذا الواجب ليتحوّل إلى جزء من الثقافة المجتمعيّة والسلوك العام.

  • المسؤولية: إنّ المشاركة الفاعلة في الحياة السياسيّة ترتّب مسؤوليات على كلّ فرد منّا فيما يتعلق بكيفية الانخراط في العمل السياسيّ وقد ذكر جلالة الملك في الورقة النقاشية الأولى أربع ممارسات ديمقراطيّة يترتب على جميع المواطنين الإيمان بها كي تزدهر الحياة السياسيّة، وهي احترام الرأي الآخر، والانخراط الفاعل، وتبنّي الحوار والحلول الوسط ورفض العنف، والشراكة في التضحيات والمكاسب.

إنّ تنمية منهج المواطنة القائمة على المسؤولية تحتاج إلى إصلاحات عميقة تستهدف تطوير دور المؤسسات التعليميّة ومؤسسات التنشئة الاجتماعيّة والدينيّة والمؤسسات الثقافيّة في مجالات: التربية على الشؤون العامة، والتربية الإعلاميّة والمعلوماتيّة، والتربية على المساءلة الرشيدة. كما تتطلّب سياساتٍ أخرى تعمل على إعادة تنظيم المجال العام والعمل المدني ووسائل الإعلام لتكون أكثرَ تعدديةً وقدرةً على المساءلة الذاتية.

  1. مؤسسات سياسيّة قوية وحديثة ومتكاملة

إن التشريعات السياسيّة الحديثة ودورية إجراء الانتخابات ووجود أحزاب سياسيّة برامجيّة، لا يمكن أن تكفل وحدَها استدامة الديمقراطيّة من دون وجود مؤسّسات سياسيّة قويّة وحديثة ومتكاملة، ولعلّ هشاشة المؤسسات السياسيّة وعدم تكاملها يفسّران جانبًا مهمًّا من تعثُّر الكثير من التجارب الديمقراطيّة وعودة الاستبداد في العديد من الدول.

لذا؛ يتطلّب بناء النموذج الديمقراطيّ الأردنيّ المضيّ قُدمًا في تحديث وتقوية السلطات الثلاث (التنفيذية، والتشريعيّة، والقضائية)، والمؤسسات السياسيّة المنضوية تحتها، والمؤسسات المستقلّة عنها. ويحتاج ذلك إلى ثلاث دعامات أساسيّة:

أ. الاستقلالية، وتتطلّب:

  • ضمان استقلالية السلطات والفصل بينها وتوازنها وعدم هيمنة سلطة على أخرى أو ممارسة أيّ ضغوط عليها.
  • وضع مدونة سلوك إيضاحية للعلاقة بين السلطات تُستمَدّ من مبادئ الدستور لتوضيح حدود العلاقة بينها وأدوار أعضاء كلّ سلطة في علاقتهم بالسلطات الأخرى؛ الأمر الذي يوفر آلية لتنظيم العلاقة بين الحكومة والبرلمان، على غرار عقد لقاءات بين الوزراء والنواب بمواعيد يُتَّفَق عليها من خلال وزارة الشؤون السياسية والبرلمانية، على أن ينظَّم محضر اجتماع يوثّق ما يدور في كلّ لقاء ويُنشَر لاطلاع المواطنين.
  • تعزيز المبدأ الدستوريّ الخاص بالولاية العامة لمجلس الوزراء، وتحديد صلاحيات أجهزة الدولة الأخرى على أساس الدستور والقانون.
  • وضع آليات محْكمة وشفّافة لضمان استقلالية مجلس النواب وأعضائه وعدم رضوخه لأيّ ضغوط خارجية رسمية أو مجتمعية.

ب.كفاءة المؤسسات السياسيّة؛ بمعنى توظيف الموارد المتاحة بشكل صحيح لينعكس ذلك على الأداء. إنّ كفاءة المؤسسات السياسيّة ترتبط بكفاءة مواردها البشرية، وكفاءة القواعد التي تنفِّذ على أساسها أعمالَها، وكفاءة العمليّات التي تقدم بها ومخرَجاتها.

ج.الامتثال لمبادئ الحياد المؤسسي؛ ويشمل ذلك حياديّة القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والمؤسسات الدينية والتعليميّة والمؤسسات الرقابيّة ووسائل الإعلام والسياسة الخارجيّة، لكي تكون هذه المؤسسات لكل الأردنيّين والأردنيّات وتعمل على حماية حقوقهم وتطلّعاتهم، وعدم التدخل في خياراتهم. وتحتاج المؤسسات إلى تطوير معايير واضحة وأنظمة وتعليمات محْكمة لإنفاذ مبدأ الحياد المؤسسيّ وتفعيله.

إن النجاح في تحقيق قوة السلطات وتوازنها وتكامل المؤسسات وحيادها، من شأنه أن يمنحها المزيد من الشرعية، كما إنّ من شأن رضا المواطنين عن أداء المؤسسات أن يقود إلى الثقة بها.

وهذا يؤكد أهميةَ مبدأ الحياد الوظيفي، الذي يعني بالضرورة تطوير الجهاز الحكومي على أسسٍ من المهنية والحياد، بعيدًا عن تسييس العمل، فهذا الجهاز الذي يمتلك سلطة قانونية هو للجميع، ويجب أن يبقى كذلك.

  1. سيادة القانون

لقد أنجز الأردنّ الكثيرَ على طريق ترسيخ مبدأ سيادة القانون، وما زال ثمّة حاجة للمزيد من العمل على هذه الطريق، فمنظومة التحديث السياسيّ تُعَدّ فرصة حقيقيّة لإنضاج مسارات سيادة القانون على مستوى مؤسسات إنفاذ القانون والمؤسسات الرقابيّة وعلى مستوى المجتمع والأفراد أيضًا، كما أن ترسيخ سيادة القانون يقف على رأس مبادئ إنضاج التحديث السياسيّ، فلا يمكن تصوُّر ديمقراطيّة راشدة من دون سيادة القانون.

لقد أدّى التطور والتحديث الاقتصاديّ في العالم إلى تغيير في أدوار الدولة؛ فكلّما تقدّمت الدولة اقتصاديًّا ازدادت الحاجة لترسيخ مبدأ سيادة القانون، وكلّما تقدّمت الدولة في التحديث السياسيّ ازدادت الحاجة إلى جعل القانون مسطرة يلجأ اليها الجميع.

لقد ساهمت اللجان الملَكيّة التي شُكِّلت على مدى العقدين الأخيريَن في ترسيخ مبدأ سيادة القانون، سواء اللجان المختصة في تطوير القضاء أو تلك المختصة في تطوير منظومة النزاهة الوطنيّة، وفي الوقت الذي ستنخرط فيه المملكة بجهد وطنيّ للتحديث السياسيّ فإن الجميع أمام فرصة كبيرة للتخلص من العديد من التشوهات التي تحول دون رسوخ هذا المبدأ.

إنّ مبدأ سيادة القانون يُعنى بتطوير جودة التشريع، واستقلالية القضاء، وكفاءة جهات إنفاذ القوانين، ومسؤولية المواطنين، في حين أن الحلقة الأهمّ تتمثل في الدولة وأجهزتها، فهي الجهة المعنيّة بتطبيق القانون وفرض النظام العام، وليس من حق أيّ جهة أن تطبّق القانون بيدِها أو تنافسَ الدولة وأجهزتها في احتكار القوة، كما هي الحال في حقوق المواطنين، فينبغي أن يعمل القانون من أجل الجميع وأن يخضع الجميع إليه، ومن حق المواطنين أن يتمتّعوا لقضاءٍ عادل وأن يتخلّصوا من معاناة البطء في المحاكمات (تأخُّر العدالة قد يساوي إنكاره).

هناك ثلاثة معايير دوليّة معروفة في مجال كفاءة ترسيخ سيادة القانون، الأول: عدد القضايا في المحاكم مقابل عدد السكان. والثاني، زمن التقاضي؛ أي المعدل العام للوقت الذي تبقى فيه القضية منظورة أمام القضاء. والثالث: قدرة الدولة على إنفاذ الأحكام. ومن المعروف أنّ إرهاق مبدأ سيادة القانون يُلجئ الأفراد والجماعات إلى أدواتهم الأوّلية لتحقيق مصالحهم، ومن هذه الأدوات: ممارسة العنف، وكسر تفرد الدولة باحتكار القوة، وتراجع الردع العام، وإنتاج الولاءات الفرعيّة. وما زال هناك تقصير في هذه المعايير الثلاثة، الأمر الذي يستدعي جهدًا إصلاحيًّا كبيرًا.

وعلى هذا الأساس، وكي تستقيم مسارات منظومة التحديث السياسيّ جنبًا إلى جنب مع ترسيخ سيادة القانون وبما يتفق مع ما جاء في الورقة النقاشية الملَكيّة السادسة، فإنّ اللجنة ترى ضرورة استكمال تنفيذ توصيات «اللجنة الملَكيّة لتطوير الجهاز القضائي وتعزيز سيادة القانون»، والحاجةَ إلى إطلاق جهد شامل لتحديث منظومة التشريعات الوطنيّة، ووضع آليات محْكمة وشفّافة كفيلة بتسريع عمليات التقاضي من دون أن يؤثّر ذلك في جودتها، كما هي الحال في وضع خطة وطنيّة لتعزيز قيم الخدمة العامة والحدّ من ظواهر المحسوبية والواسطة والتمييز بين مفهوم الخدمة العامة بقيمها النبيلة وبين مفهوم الخدمة الفردية التي تتجاوز القوانين وتحرم الآخرين من حقوقهم.

إنّ مواجهة ظاهرتَي المحسوبية والواسطة، وهما من أخطر أنواع الفساد، تحتاج إلى جهود مضاعَفة لإنفاذ القانون، وأن تؤدّي مؤسساتُ التنشئة والتعليم والثقافة والإعلام دورًا مؤثرًا في هذا المجال.

ومثلما أكّدت الورقة النقاشية السابعة لجلالة الملك، فإنّ الدولة المدنية هي دولةُ القانون التي تستند إلى حكم الدستور وأحكام القوانين في ظل الثوابت الدينية والشرعية، وترتكز على المواطنة الفاعلة، وتقبل بالتعددية والرأي الآخر، وتُحدَّد فيها الحقوق والواجبات من دون تمييز بين المواطنين بسبب الدين أو اللغة أو اللون أو العرق أو المستوى الاقتصادي أو الانتماء السياسي أو الموقف الفكري.

  1. غرس اجتماعيّ وثقافي للتحديث السياسيّ

إن الديمقراطيّة الراسخة تبدأ من السياسة المحليّة؛ بجعل الناس على مستوى المجتمعات المحليّة في المحافظات يمارسون ديمقراطيّة محليّة يكون لهم فيها الحقّ بمناقشة السياسات العامة على المستويَين المحليّ والوطنيّ، والمساءلة، وإبداء الرأي، وتحديد أولوياتهم؛ وبذلك يتمّ غرس ديمقراطيّة آمنة وأكثر ارتباطًا بحاجات الناس وكرامتهم وأولوياتهم.

هنا، لا بدّ من التسليم بأنّ الديمقراطيّة عملية تحول اجتماعيّ وثقافيّ في الأصل، تحتاج إلى تعلُّم وغرس ثقافي يتمّ بالممارسة ومن خلال مؤسسات التنشئة معًا، وهذا الأمر يستدعي النظر إلى مشروع الإدارة المحليّة -الذي سيتدرّج إلى مفهوم الحكم المحلي- على أنه اللبنة الأولى في النموذج الديمقراطيّ الوطنيّ الأردنيّ، والأساسُ القوي الذي يحتاج إلى رعاية وتطوير يضاهيان ما تحتاجه مرافق الديمقراطيّة الأخرى.

إنّ الديمقراطيّة المحليّة أو(الحكم المحلي) انتقالٌ اجتماعيّ ثقافيّ في مجالات الإدارة والخدمات والتنمية، يؤسّس لإعادة إنتاج المجتمعات المحليّة في المحافظات، ضمن مصفوفة كبيرة من متطلبات التغيير والتحديث التي تقود إلى إعادة تمأسس وتشكل لهذه المجتمعات على قيم المشاركة والمسؤولية، والإنتاجية والاعتماد على الذات؛ أي تغيير نوعية حياة الأفراد والأسر.

إنّ هذا النموذج الذي يدمج بين الحكم المحلي وتوفير الخدمات العامة بكفاءة وتوسيع المشاركة في تحديد الأولويات التنمويّة، سيشكّل في حال اكتماله أداةً داعمة للنموذج الديمقراطيّ الوطنيّ في توفير عمق اجتماعيّ حقيقيّ للديمقراطيّة، وأداةً لترشيد الرقابة الشعبيّة على المستويَين المحلي والوطنيّ، وتوفير ضمانات حقيقية للاستقرار المحليّ ببعدَيه الأمنيّ والسياسيّ، وإعادة إنتاج النخب المحليّة بالاستناد إلى الكفاءة والإنجاز. إلى جانب ما سيوفره هذا النموذج من المساهمة في تطوير أداء مجلس النواب وتفرُّغه لأداء مهامه التشريعية والرقابية، في ضوء وجود هياكل أخرى ممثَّلة في الإدارة المحلية تعنى بالخدمات والتنمية المحلية. ومن شأن ذلك أن ينهي بعض الاختلالات في فهم المجتمع للتمثيل النيابي، وذلك بالنظر إلى التمثيل من زاوية قوته وتأثيره في مجلس النواب وليس استنادًا إلى عدد المقاعد فقط.

هذه المهمة يجب أن تتزامن مع إعادة تقييم دور النظام التعليمي والسياسات الثقافيّة في غرس القيم الديمقراطيّة في وعي الأجيال الجديدة وفي سلوكها، ومدى تمثُّل القيم والمفاهيم الديمقراطيّة والوطنيّة الجامعة وقيم المواطنة الفاعلة في المناهج التعليميّة وفي الأنشطة الإثرائية، مع الأخذ في الاعتبار أنّ التحول نحو العمل الحزبيّ البرامجيّ والتنافسيّ يجب أن يحافظ على حياد المؤسسات التعليميّة وألّا يمسّ بأيّ شكل جوهرَ العملية التعليميّة والبحثيّة فيها.

  1. إعلام حديث وتدفُّق حُرّ للمعلومات

يُعَدّ تحديث الإعلام وضمان استقلاليته شرطًا للتحديث السياسيّ، ولا يمكن تصوُّر إنضاج النموذج الديمقراطيّ من دون وجود إعلام حُرّ مسؤول وتدفُّق حُرّ للمعلومات يجعل مهمة النقاش الوطنيّ ميسّرة وقادرة على قيادة رأيٍ عامّ رشيد. إنها مهمة تأسيسيّة لتدشين المجال العام التعدُّدي والـمُعافى الذي تتنافس فيه التيارات والقوى السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة في تقديم الأفكار وفي تفسيرها للأحداث وتقييمها للسياسات العامة. فمع اتّساع تأثير وسائل الإعلام الحديثة وازدياد دور المواطن فيها؛ الأمر الذي رفعَ قدرة هذه الوسائل على التضليل، يصبح تحديث الإعلام وضمان حق المواطن في الحصول على المعلومات ضرورة يجب أن تسير جنبًا إلى جنب مع بقية عمليات التحديث السياسيّ.

لقد شهد الإعلام الأردنيّ على مدى العقود الثلاثة الماضية إصلاحات مهمة، كما شهد محطات تراجُع، فكانت مسيرته خلالها (خطوة للأمام وخطوة للوراء) وبالتزامن مع إطلاق منظومة التحديث السياسيّ حان الوقت للخروج من الحلقة المفرغة في الإعلام باتباع الخطوات التالية:

  • تحديث الإعلام الرسمي، وضمان استقلاليته، وترشيقه، وتخليصه من الترهُّل والبيروقراطية، بما يضمن الاستقلال الإداري والمالي لمؤسساته وتحوُّلها إلى خدمة عامة مستقلّة قائمة على المهنيّة والاحتراف والاختصاص والشموليّة، الأمر الذي يجعلها قادرة على خدمة المصالح العليا للدولة والمجتمع.
  • مراجعة التشريعات الناظمة للحريّات الإعلاميّة والحريات عمومًا وفي مقدمتها (قانون المطبوعات والنشر وقانون الجرائم الإلكترونية)، وتحديثها بما لا يتعارض مع مبدأ الحرية المسؤولة.
  • مراجعة قانون ضمان حق الحصول على المعلومات وتعديله بما يتفق مع المعايير الدوليّة في هذا المجال، ومنح هذا الأمر أولوية، إذ إن الحق في المعلومات حق للمواطنين كافة ولا تكتمل الديمقراطية من دون توفر معلومات عامة.
  • الانفتاح السياسيّ على وسائل الإعلام، وتوفير بيئة سياسيّة صديقة للإعلام، على قواعد احترام المصالح الوطنيّة العليا ومبادئ الدستور والقوانين.
  • دعم التحوُّل الرقميّ لوسائل الإعلام الأردنيّة، ووضع خطّة وطنيّة في هذا المجال تعمل على تشجيع بناء نماذج اقتصاديّة ناجحة في مجال الإعلام الحديث.
  1. منظومة نزاهة وطنية قويّة ومستقلّة

لا شك أن الفساد أكبر عدوّ للديمقراطيّة، وهو قادر على عرقلة أيّ جهد لتوسيع المشاركة أو بناء مؤسسات سياسيّة قويّة، وفيه يكمن جانب من أسرار فقدان الثقة العامة بين المواطنين وسلطات الدولة ومؤسساتها.

لقد ظل شعار مكافحة الفساد المطلبَ الأول للقوى السياسيّة والحركات الاحتجاجية منذ نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، وتصاعدَ بشكل كبير مع حركات الاحتجاج التي تزامنت مع (الربيع العربيّ) ورغم أن الدولة الأردنيّة أوجدت منذ نشأتها بنى مؤسسيّة حكوميّة وأمنيّة للرقابة والمحاسبة ومكافحة الفساد تطورت عبر العقود، إلّا أن وجود بنية تشريعيّة ومؤسسيّة قويّة ومستقلّة للنزاهة قد بدأ يتحقق منذ عام 2005.

وتعبّر توجيهات الملك عبدالله الثاني عن إرادة سياسيّة جادّة لإعلان الحرب على الفساد وتجفيف منابعه، واستنهاض همم أجهزة الدولة لمكافحته والوقاية منه بشكل مؤسسي، الأمر الذي جعل الأردن يدخل في مرحلة الانتقال إلى العمل المؤسسي المستقلّ في بناء منظومة النزاهة الوطنيّة. إذ صادق الأردن في عام 2005 على الاتفاقية الدوليّة لمكافحة الفساد، وبدأ مسارًا تشريعيًّا لتعديل التشريعات الوطنيّة بما يتلاءم مع أحكامها. وفي عام 2006 صدر قانون هيئة مكافحة الفساد. واستمرارًا لنهج الانتقال إلى بنية وطنيّة قويّة في النزاهة، أمر الملك في عام 2012 بتشكيل لجنة ملَكيّة لوضع ميثاق وطنيّ للنزاهة، وأعلنت اللجنة مخرجاتها في مؤتمر وطنيّ عُقد في عام 2013، واشتملت المخرجات على الميثاق الوطنيّ والخطة التنفيذية، وفي عام 2013 شُكلت لجنةٌ من خبراء محليين ودوليين لمراجعة سياسات الخصخصة وعملياتها التي قامت بها الحكومات المتعاقبة منذ عام 1989 للوقوف على آثارها ومعرفة نقاط الضعف والنجاح والاستفادة من الدروس المستقاة، وفي عام 2014 شُكّلت لجنة ملَكيّة لمتابعة تنفيذ منظومة النزاهة الوطنيّة.

وعلى الرغم من كل الجهود السابقة، لم يتحسّن موقع الأردن بشكل ملحوظ في المؤشرات الدوليّة في هذا المجال، في الوقت الذي يَظهر فيه أن معظم ما يتم الحديث حوله هو فسادٌ انطباعيّ ساهمتْ وسائل التواصل الاجتماعي في تضخيمه، الأمر الذي دفع المدركات الشعبية إلى وضع الفساد على رأس قائمة مصادر التهديد، وهذا يؤكد الحاجة إلى تمكين المجتمع من الحق في الحصول على المعلومات والشفافية والاستجابة السريعة في توضيح الحقائق كأولوية أساسية، مع التنويه إلى أنه ما زال هناك عمل كبير يستدعي الالتفات إليه في مجالات الفساد الإداري ومحاربة الواسطة والمحسوبية.

إنّ الأولويات العاجلة في هذا المجال تتطلب:

  • مراجعة الخطة التنفيذية لمنظومة النزاهة الوطنيّة التي صدرت في عام 2013، وتقييم عمليات التنفيذ والالتزام في المحاور العشرين للخطة ومدى امتثال المؤسسات المكلَّفة.
  • مراجعة التعديلات التي أُجريت على تشريعات منظومة النزاهة، والتأكد من توافقها مع مبادئ ميثاق النزاهة الوطنيّة والمعايير الدولية.
  • استقلالية هيئة النزاهة ومكافحة الفساد، وتحويلها إلى هيئة قضائية مستقلّة.
  • وضع خطة لتطوير القدرات الوطنيّة في مجالات الرقابة وأنظمة التدقيق وكشف الفساد، من خلال إنشاء برامج تعليميّة على مستوى الدراسات العليا في هذه المجالات.
  • تغليظ العقوبات لتحقيق الردع العام في ما يتصل بالواسطة والمحسوبية، وأن ينطلق عمل المؤسسات من ميثاق شرف أخلاقي يشمل المسؤولين والموظفين لضمان عدالة القرارات والخدمات.
  1. تنمية عادلة وتكافؤ للفرص

إن التنمية العادلة التي تُعنى بالمناطق والمحافظات والأقاليم كافة، شرط أساسيّ للمشاركة السياسيّة الفاعلة، وهي تعمل على الحد من تمركز المجتمع السياسيّ في مناطق محددة، كما هي الحال في حق جميع المواطنين بالحصول على فرص متكافئة في التعليم، والصحة، والعمل، والخدمات العامة الأخرى.

ترى اللجنة أن الأردن في هذه المرحلة بحاجة إلى تطوير منظور وطنيّ جديد لتنمية المحافظات والأقاليم قادر على إعادة تأهيل القدرات التوزيعية للدولة بعدالة، ويضمن كفاءة إدارة الموارد المحليّة والوطنيّة، ويقود إلى عملية تغيُّر ثقافيّ واجتماعيّ في مناطق المملكة كافّة نحو الإنتاج والاندماج في المفاهيم والحلول الاقتصاديّة الحديثة، وإعادة اكتشاف الفرص التنموية واستثمارها في القطاعات الواعدة، الأمر الذي سيساهم في الحد من البطالة والفقر في تلك المحافظات ويخلق التحول الإنتاجي المطلوب.

إن انتقال مبدأ تكافؤ الفرص والعدالة من عالم المثُل إلى الواقع ليس بالأمر المستحيل، لكنه يحتاج إلى المزيد من الحوكمة والمسؤولية والمساءلة. وتقتضي العدالة أن يوفر النموذج الديمقراطيّ الوطنيّ بيئة ملائمة لنيل الحقوق والتمكين للفئات الأقل رعاية أو للذين لا تتوفر لهم فرص لسماع أصواتهم، مثل الأشخاص ذوي الإعاقة والأطفال وكبار السن والمجتمعات النائية.

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن النموذج الديمقراطي الأردني المتقدم يجب أن يضمن مشاركة الأردنيين والأردنيات في الخارج من خلال وضع آليات مستقبلية تكفل حقهم في الاقتراع والمشاركة وبما يضمن سلامة العملية الانتخابية ونزاهتها.

  1. حماية الاستقرار واستدامته

شكّل الاستقرار السياسيّ سمة أساسيّة من سمات الدولة الأردنيّة على مدى المئويّة الأولى من عمرها، وأصبح الأمن قيمة يعتزّ بها الأردنيّون والأردنيّات.

إن النموذج الديمقراطيّ الأردنيّ يجب أن يجعل حماية الاستقرار واستدامته أحد عناوينه الأساسيّة، وهذا يتحقق حينما يخلق المجتمعُ السياسيّ بالممارساتِ قناعةً بأن هذا النموذج مصلحةٌ حقيقية للأمن الوطنيّ.

إن الدروس المستفادة من تجربة العقدين الأخيرين تؤكد الحاجة إلى بناء علاقة تكاملية بين النموذج الديمقراطيّ والأولويات الأمنية الوطنيّة، فقد حافظ الأردن على استقراره الداخلي وعلى أمن حدوده في ثلاث أزمات تاريخيّة كبرى عصفت بالمنطقة في هذه المرحلة؛ وهي: الحرب على الإرهاب وصعود التطرف، وحرب احتلال العراق وتداعياتها، والتحولات والحروب الأهلية العربيّة. إذ عملت قيم النظام السياسيّ الأردنيّ واحتراف القوات المسلحة والمؤسسة الأمنية على عبور هذه المرحلة بسلامة.

إنّ المجتمع السياسيّ الذي من المفترَض أن يتبلور ويزداد نضجًا بوجود أُطر وتيارات وأحزاب وكتل برامجيّة ومؤسسات مدنيّة فاعلة تنخرط في العمل السياسيّ وفقًا للمنظومة الجديدة، يحتاج إلى ترسيم علاقة جديدة مع المؤسسات تقوم على الوضوح وسيادة القانون، وتنطلق من أن الاستقرار والديمقراطيّة يمثلان معًا مصلحة وطنيّة، فلا يمكن التضحية بأيّ منهما على حساب الآخر.

إنّ الوصول إلى النموذج الديمقراطي الأردني المأمول سيكون ثمرةَ الإرادة السياسية الوطنية لجلالة الملك لتمثّل بدايةُ المئوية الثانية محطةَ كبيرة لجهدٍ وطني للتحديث السياسي بعد أن أثبتت الدولة الأردنية المنعةَ والصمود والاستقرار طيلة مسيرتها.

وسيبقى جلالة الملك دومًا رمزَ الوطن، والقيمةَ الكبرى والمرجعية الأولى في الحياة السياسية الأردنية، والقائدَ الموحِّدَ لأبناء شعبه، وصوتَهم والملاذَ الآمن لهم، والحاميَ للدستور وللمنجزات الوطنية والقيم الأردنية الأصيلة، والضامنَ للعدالة، والمدافعَ عن قضايا الوطن والأمة وعن قيم الوسطية والاعتدال وصورة الإسلام السمح.

وبعون الله، سيستمر الدور الملكيّ في إرساء دعائم قوية للنموذج الديمقراطي الأردني، وكما كان الهاشميون في المئوية الأولى للدولة الحديثة مظلةً لجمع الأردنيين والأردنيات ودمجهم في الأهداف الوطنية ونشر روح الثقة والأمل، وستتواصل المسيرة بإذن الله في البناء والإنجاز والتحديث.

قُسم عمل اللجنة الملَكيّة لتحديث المنظومة السياسية إلى ستة محاور وفقًا لمحددات الرسالة الملَكيّة، منها محوران ينطويان على تقديم مسوّدَتي مشروعَي قانونَين؛ واحد للانتخاب والثاني للأحزاب السياسية، ومحور يتناول توصيات لتطوير البيئة الناظمة للإدارة المحلية، ومحوران لوضع توصيات حول تمكين المرأة والشباب في الحياة السياسية، ومحور للتعديلات الدستورية المتّصلة بقانونَي الانتخاب والأحزاب السياسية وبآليات العمل النيابيّ.

تستعرض هذه الوثيقة النتائج التي توافقت عليها اللجنة في المحاور ذات الصلة بالانتخاب، والأحزاب السياسية، والإدارة المحلية، والتعديلات الدستورية، وما شملته من ضمانات لتمكين الشباب والمرأة، كما توضّح مبدأ التدرُّج للوصول إلى النموذج الديمقراطيّ الأردنيّ مع نهاية مرحلة الانتقال.

المحور الأول: ملخّص مسوّدة مشروع قانون الانتخاب وضمانات تمكين الشباب والمرأة

اعتمدت اللجنة منهجيةَ الحوار الداخلي والانفتاح على الخبرات الوطنية والتجارب والممارسات العالمية وتبادل الأفكار والطروحات وصولًا إلى التوافق، إذ عملت على مراجعة (142) من التقارير والدراسات وأوراق العمل ذات الصلة بالمنظومة الانتخابية التي أُعدّت من جهات حكومية أو غير حكومية أو دولية، وأعادت مراجعة الأوراق النقاشية الملَكيّة، وتوقفت أمام الأفكار والإشارات التي قدمتها تلك الأوراق في مجالات تطوير البرلمان والنظام الانتخابي، والأفكار التي تناولت تطوير الحياة السياسية والمتصلة بالحياة البرلمانية، كما استقبلت اللجنة (392) توصية قُدِّمت من جهات عدة ومن أفراد.

حدّدت اللجنة الهدف الوطني لهذا المحور بـ: «منظومة تشريعية انتخابية عصرية تكفل النزاهة والعدالة والشفافية الانتخابية، وتهيئ لبروز كُتَل وتيارات برامجية قادرة على الأداء التشريعي والرقابي، وتلتزم بمبدأ التدرُّج في المساهمة في النموذج الديمقراطي الوطني».

واعتمدت اللجنة مجموعة من المعايير للوصول إلى السيناريو التوافقي حول تحديث المنظومة الانتخابية، وأبرز هذه المعايير:

  1. تعزيز الهوية الوطنية الجامعة.
  2. حماية وحدة المجتمع الأردني وتماسكه.
  3. التمثيل العادل لفئات المجتمع الأردني ومناطقه كافة.
  4. التهيئة لكُتَل برامجية قادرة على أداء تشريعي ورقابي منسجم.
  5. تعزيز منظومات النزاهة والعدالة والشفافية الانتخابية.
  6. تعزيز مشاركة أوسع للمرأة والشباب انتخابًا وترشُّحًا، وفي جميع مراحل العملية الانتخابية.
  7. ترسيخ استقلالية الهيئة المستقلّة للانتخاب.
  8. مراعاة مبدأ التدرُّج للوصول إلى النموذج المطلوب في المنظومة الانتخابية.

نتائج المنظومة الانتخابية

  1. النظام الانتخابي: نظام انتخابي مختلط يشتمل على مستويَين من التمثيل؛ الأول وطنيّ ويسمّى: «الدائرة العامة»، والثاني محلّيّ ويسمّى: «الدوائر المحلية». وتُقسَم المملكة إلى (18) دائرة انتخابية محلية ودائرة عامة واحدة، ويتشكّل مجلس النواب من (138) مقعدًا، وعلى النحو التالي:

أ- الدائرة العامة

- الدائرة العامة أو القوائم الوطنية محصورة بالأحزاب السياسية، ويخصَّص لها(41) مقعدًا، وتعتمد نظام القوائم النسبية المغلقة مع وجود نسبة حسم (عتبة) مقدارها (2.5%) من مجموع المقترعين على مستوى الدائرة الانتخابية العامة، وتكون آلية حساب النتائج للقوائم المترشّحة وفقًا لنظام أعلى البواقي.

- يخصَّص ضمن الدائرة الانتخابية العامة مقعدان على الأقل للمسيحيين، ومقعد واحد على الأقل للشركس والشيشان.

- تلتزم القائمة المترشّحة على مستوى الدائرة العامة بوجود امرأة مترشّحة واحدة على الأقل ترتيبُها ضمن المترشحين الثلاثة الأوائل، ووجود امرأة مترشّحة واحدة على الأقل ترتيبُها ضمن المترشحين الثلاثة التالين.

- تلتزم القائمة المترشّحة على مستوى الدائرة العامة بوجود شاب (أو شابة) على الأقل بعمر لا يتجاوز (35) عامًا، ترتيبُه أو ترتيبُها) ضمن المترشحين الخمسة الأوائل. (

- تلتزم القائمة المترشحة على الدائرة العامة بوجود مترشحين فيها موزَّعين على نصف الدوائر الانتخابية المحلية على مستوى المملكة.

ب- الدوائر المحلية

- تُقسَم المملكة إلى (18) دائرة انتخابية محلية، يخصَّص لها (97) مقعدًا منها (18) مقعدًا للمرأة. وتشمل الدوائرُ الانتخابية دائرةً انتخابية لكل محافظة، و(3) دوائر لمحافظة العاصمة، ودائرتَين لمحافظة إربد، وثلاث دوائر للبدو.

- يُخصَّص في الدوائر المحلية (7) مقاعد على الأقل للمسيحيين، ومقعدان على الأقل للشركس والشيشان.

- تتضمّن قائمة المترشحين على الدائرة المحلية عددًا من المترشحين لا يزيد على عدد المقاعد المخصَّص للدائرة الانتخابية ولا يقلّ عن مترشحين اثنين، مع وجود نسبة حسم (عتبة) مقدارها (7%) من مجموع المقترعين على مستوى الدائرة الانتخابية.

- على المترشحين للمقاعد المخصَّصة للنساء أو للمسيحيين أو للشركس والشيشان في الدوائر المحلية اختيار مسار الترشح الذي يرغبون به (الكوتا) أو التنافس الحر، ويكون التنافس والفوز على المسار الذي اختاره المترشح للترشح، ولا يُعَدّ أيّ مترشح ينتمي للفئات الاجتماعية المعنيّة وترشّح على مسار التنافس الحر ضمن الحد الأدنى المخصَّص للفئة المعنيّة، ويتم ملء المقعد المخصَّص للفئة المعنيّة (الكوتا) ضمن آلية هذا التخصيص.

- يجوز لأبناء وبنات البادية الأردنية الترشح خارج الدوائر المحلية المخصَّصة لهم، سواء على مستوى الدائرة العامة أو على مستوى الدوائر المحلية الأخرى، كما يجوز لأيٍّ من المترشحين من الدوائر المحلية الأخرى الترشح في دوائر البادية، ويبقى سجلّ الناخبين لدوائر البادية مغلقًا.

  1. تعزير منظومة النزاهة الانتخابية: اشتملت مسوّدة مشروع القانون على مجموعة من التطورات الضامنة لمنظومة النزاهة الانتخابية، وكالتالي:

أجداول الناخبين

- إنشاء جدول جديد للناخبين يستند إلى مكان الإقامة.

- ألزم القانونُ بتحديث جداول الناخبين كل ستة أشهر لضمان الدقة.

- تضع الهيئة المستقلّة للانتخاب أسُسَ ومعايير إعداد الجداول الانتخابية ومعاييره.

- للناخب الحقّ في تقديم الاعتراضات ورقيًّا أو إلكترونيًّا على جداول الناخبين.

بالاقتراع والفرز

- اعتماد بطاقة الأحوال المدنية وثيقةً وحيدة لممارسة حق الاقتراع، واعتماد مكان الإقامة المثبَّت عليها للاقتراع.

- يبدأ الاقتراع الساعةَ السابعة من صباح يوم الاقتراع، وينتهي الساعةَ السابعة من مساء اليوم نفسه، ولا يجوز تمديد الاقتراع.

- اشترط القانون أن تحتوي صناديق الاقتراع على أقفال بأرقام متسلسلة توضَع أمام الحاضرين في غرفة الاقتراع.

- كفل القانون سرّية الاقتراع، وأوقع عقوبةً على كلّ ناخب يدّعي الأمّيّة تصل إلى الحبس سنةً وغرامة مالية تصل إلى خمسمائة دينار.

- ألزم القانونُ الهيئةَ المستقلّة للانتخاب بتوفير شاشة إلكترونية متاحة للمواطنين عبر موقعها الإلكتروني تُبَثّ من خلالها إجراءاتُ تجميع النتائج وبشكل مستمر.

- على كلٍّ من مديري مراكز الاقتراع أن يعلن نتائج الفرز بشكل تفصيلي لجميع القوائم فور انتهاء عمليات الفرز في مركزه، وعلى الهيئة أن تعلن نتائج كلّ مركز اقتراع لجميع القوائم فور انتهاء الفرز من خلال نشر محضر النتائج على موقعها الإلكتروني.

ج- الجرائم والمخالفات الانتخابية

- تطوير إجراءات التقاضي في جرائم الانتخابات، وذلك بأن تحوّل الهيئة المستقلّة للانتخاب الجرائمَ التي تم ضبطُها للمدّعي العام الذي ينظر بدوره بحيثيات الجريمة ويحوّلها لمحكمة البداية، وتتّخذ قضايا الجرائم الانتخابية صفةَ الاستعجال في المحاكم، إذ ألزمَ القانون محاكمَ البداية بالبتّ في قضايا الجرائم الانتخابية خلال مدة أقصاها شهر واحد.

- فرض القانونُ عقوبةً تصل إلى الحبس سنتيَن لمن استخدم المال الفاسد، ولا يمكن استبدال غرامة بها.

- جرّم القانونُ الموظفَ العام في حال قيامه بأعمال تخالف أحكام القانون، بعقوبة تصل إلى الحبس ثلاث سنوات.

- فرضَ القانونُ عقوبةً تصل إلى الحبس سنةً وغرامة مالية تصل إلى (5) آلاف دينار لكلّ من انتحل شخصية غيره، أو احتفظ ببطاقة أحوال مدنية تعود لناخب آخر، أو استعمل حقّه في الانتخاب أكثر من مرة، أو أثّر في إرادة الناخبين.

- فرضَ القانونُ عقوبةً على أعضاء اللجان الانتخابية في حال قيامهم بأفعال تحدّ من نزاهة العملية الانتخابية.

- منعَ القانونُ المترشحَ الذي يرتكب أفعالًا تخلّ بنزاهة الانتخاب نَصّ عليها القانون، من الترشح لدورتين انتخابيتين تاليتين إضافة إلى العقوبة التي نصّ عليها القانون.

- يعاقب القانونُ كلَّ مَن استولى أو حاول الاستيلاء على صندوق الاقتراع قبل فرز الأصوات الموجودة بداخله أو بعد فرز الأصوات، بالأشغال الشاقة المؤقتة مدةً لا تقل عن ثلاث سنوات.

- فرضَ القانونُ عقوباتٍ بالتضامُن على أعضاء الـقـائـمـة إذا رُفض أيّ تـقـريـر حـسـابـي خـتـامـي يتم تقديمه من قِبَلها، بسبب عدم الإعلان عــــن مصــادر التمويل، أو لوجود تلاعب بالحسابات أو تزوير بالوثائق، أو لوجود مصادر تـمـويـل غـيـر مـشـروعـة، وتصل هذه العقوبات إلى إسقاط عـضـويـة المترشح الــذي نجح مـن القائمة وحرمانه مــن الـتـرشـح في الدورات التالية.

د– تعزيز منظومة العدالة الانتخابية

اشتملت مسوّدة مشروع القانون على مجموعة من التطورات الضامنة لمنظومة العدالة الانتخابية، وكالتالي:

- لم يشترط القانونُ على موظفي القطاع العام المترشحين للانتخابات تقديم استقالاتهم، واكتفى بتقديمهم إجازة من دون راتب قبل (90) يومًا من موعد الاقتراع، الأمر الذي يساهم في تعزيز حقّ الترشح وتسهيله من دون فقدان الحقوق والمكتسبات الأخرى، وتحديدًا لدى فئات مثل الشباب والمرأة والأكاديميين.

- خفّض القانونُ سنّ الترشُّح ليكون (25) عامًا من أجل تحقيق المزيد من العدالة في توزيع القوة السياسية بين الفئات العمرية في المجتمع، من خلال توسيع قاعدة ترشح الشباب وتعزيز مشاركتهم السياسية.

- أتاح القانونُ للحزب أن تبقى قائمة مترشحيه معتمَدة إذا قام بفصل أحد أعضائه المترشحين على هذه القائمة.

- اشترط القانونُ أن تخصَّص أماكن محدَّدة للدعاية الانتخابية بما يضمن المساواة في الفرص لجميع القوائم المترشحة.

- قلّص القانون عدد الدوائر الانتخابية وتوسيعها لتحقيق المزيد من العدالة في ما يتصل بالقوة التمثيلية للمواطنين.

- ألزم القانونُ من يحق لهم الترشح على المقاعد المخصَّصة (الكوتا) اختيار مسار الترشح (لكوتا) أو التنافس الحر، لتطبيق العدالة بين المترشحين، وتعزيز فرص وصول المرأة إلى مجلس النواب.

- منحَ القانونُ الناخبين والمترشحين ومفوَّضي القوائم حقَّ الطعن في القرارات التي تصدر عن الهيئة لدى محاكم الاختصاص.

- نصّ القانون على إنه إذا تساوت نسبة الأصوات بين قائمتين أو أكثر أو بين مترشّحَين أو أكثر، يتم الاحتكام إلى العدد المطْلَق للأصوات، وإذا تساوى العدد يُجري الرئيس القرعةَ بين المتساوين في نسبة الأصوات وعددها.

هـ– تعزيز منظومة الشفافية في العملية الانتخابية

- ألزم القانونُ كلَّ قائمة قُبِل طلبُ ترشُّحها بفتح حساب بنكيّ، وأن يكون الإنفاق من هذا الحساب.

- ألزم القانونُ كلَّ قائمة بتسليم حسابها الختاميّ للهيئة المستقلّة للانتخاب في مدة أقصاها شهر من تاريخ إعلان النتائج النهائية في الجريدة الرسمية.

- ألزم القانون الهيئةَ بنشر تقارير الحسابات الختامية التي تتسلّمها من القوائم على موقعها الإلكتروني وبأيّ وسيلة أخرى تراها مناسبة.

- ألزم القانون مفوَّضي القوائم بالإفصاح عن موارد تمويل الحملة الانتخابية.

- ألزمَ القانون الهيئةَ بتوفير شاشة إلكترونية متاحة للمواطنين عبر موقعها الإلكتروني تُبَثّ من خلالها إجراءات تجميع النتائج.

- ألزم القانونُ رئيسَ لجنة الاقتراع والفرز بطباعة محاضر الفرز وتسليمها للمترشحين أو المفوَّضين أو المندوبين، وتعليقها ونشرها إلكترونيًّا مباشرة.

- ألزم القانونُ الهيئةَ المستقلّة بنشر جميع الوثائق والمستندات المرتبطة بالعملية الانتخابية، مثل قوائم المترشحين وجداول الناخبين والنتائج، على الموقع الإلكتروني للهيئة، التزامًا بالحق في الحصول على المعلومات وبمبدأ الإفصاح المسبق الذي يعدّ أحد مبادئ الشفافية.

- نصّ القانون على الدور الرقابي لمؤسسات المجتمع المدني ولمراقبي العملية الانتخابية، ولم يُكتَفَ بإيراد ذلك ضمن التعليمات، تعزيزًا للشفافية، وتأكيدًا لدور مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الدولية في رقابة نزاهة الانتخاب.

- نصّ القانون على إشراك مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الأهلية في اللجان الانتخابية، الأمر الذي من شأنه أن يوسّع قاعدة الشفافية.

و- العدالة والشفافية في تنظيم الدعاية الانتخابية

- تُنشأ من قِبل مجلس أمانة عمّان الكبرى والمجالس البلدية وما في حكمها أماكنُ مخصّصة للدعاية الانتخابية، وتوزَّع بشكل عادل بين القوائم المترشحة.

- على كلٍّ من مفوَّضي القوائم الإفصاح عن موارد تمويل الحملة الانتخابية لقائمته، وأوجُه إنفاق تلك الموارد بما لا يتعارض مع القانون والتعليمات الصادرة عن الهيئة ووفق النموذج المعَدّ لهذه الغاية.

- تلتزم القوائم المترشحة بالسقف الإجمالي للإنفاق على الحملة الانتخابية وفقًا للمعايير التي تضعها الهيئة وبالنظر إلى حجم الدائرة الانتخابية وعدد الناخبين فيها، وبما لا يزيد عن مائة ألف دينار أردني للقائمة الواحدة على المستوى المحلي، وخمسمائة ألف دينار للقائمة العامة على المستوى الوطني.

- تلتزم القوائم المترشحة بتسليم حسابها الختامي للهيئة المستقلّة للانتخاب خلال مدة أقصاها شهر من تاريخ إعلان النتائج النهائية في الجريدة الرسمية وعلى النموذج المعَدّ من قِبَل الهيئة.

- تتولى الهيئة المستقلّة للانتخاب خلال العملية الانتخابية:

  1. مراقبة تمويل الحملات ومشروعيته ومطابقته لسقوف الإنفاق من خلال التحقق ومراجعة ومراقبة النفقات المرتبطة بالحساب البنكيّ للقائمة.
  2. التزام القوائم والمترشحين فيها بقواعد تمويل الحملات والأنشطة الانتخابية التي تُمارَس من خلال الدعاية الانتخابية بأشكالها كافة، وللهيئة الاستعانة في ذلك بمن تراه مناسبًا من الجهات ذات العلاقة.

الآثار المتوقَّعة لتطبيق النظام الانتخابي الجديد

أولًا: الدائرة العامة (القائمة الوطنية)

- ستساهم الدائرة العامة في تعزير الهوية الوطنية وتطوير سياقات اجتماعية وسياسية جمعية يلتف حولها الأردنيون والأردنيات من مختلف المناطق، في الوقت الذي ستساهم فيه الدائرة العامة في الحد من تنامي الهويات والولاءات الفرعية.

- ستوفر الدائرة العامة فرصة كبيرة للأحزاب السياسية على التطور على أساسٍ برامجيّ والانتقال بالحياة السياسية إلى مرحلة جديدة، وسترفع من قدرتها على الاندماج بالمجتمع، وتزيد من مستويات الثقة بها.

- ستعمل الدائرة العامة على تغيير سلوك الناخبين والمؤسسات السياسية ليصبح على أساسٍ برامجيّ، الأمر الذي سينعكس في المحصلة على تطوير كفاءة السياسات العامة وأنماط المساءلة.

- ستعزز الدائرة العامة من خلال القوائم الوطنية العملَ الرقابيَّ والتشريعيَّ للنواب، بسبب عدم ارتباطهم بتوفير الخدمات على المستوى الجغرافيّ الضيّق.

- ستعمل الدائرة العامة على تطوير الآليات الوطنية في إنتاج النخب السياسية الجديدة التي تعمل على أساسٍ برامجيّ، الأمر الذي من شأنه أن يساهم في تطوير الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ثانيًا: تعدُّد الأصوات وتوسيع الدوائر

- سيساهم توسيع الدوائر المحلية في ترسيخ الهوية الوطنية، ويمنح المواطنين منظورًا أوسع للعمل النيابي، الأمر الذي يحدّ من نزعة الهويّات الفرعية والولاءات الضيّقة.

- سيساهم تعدُّد الأصوات وتوسيع الدوائر المحلية في حماية المكتسبات الوطنية التي تحقّقت في السابق وعدم انتقاصها.

- سيساهم تعدُّد الاصوات في تطوير آلية اختيار المترشحين من قِبَل الناخبين، الأمر الذي يعمل على تطوير السلوك الانتخابي وتوجيهه نحو التركيز على المصالح والكفاءة.

- الانتقال نحو سلوك انتخابيّ قائم على اختيار البرامج لا الأفراد، نتيجة تعدُّد الأصوات المتاح.

وبناءً على ذلك، فإنّ النظام الانتخابي الجديد وما تضمّنه من تدرُّج يتيح للمواطنين اختيار المترشّحين على أسس برامجية وفكرية، سيفضي إلى إنهاء العمل بنظام الكوتا وفتح الدوائر المغلقة.

المحور الثاني: ملخَّص مسوّدة مشروع قانون الأحزاب السياسية وضمانات تمكين الشباب والمرأة

اعتمدت اللجنة على منهجية الحوار الداخلي بين أعضائها والحوار مع المؤسسات المدنية والأحزاب السياسية وبيوت الخبرة، وصولًا إلى التوافق المبنيّ على احترام تعددية الآراء، إذ توافقت على المعايير وآليات النقاش، واعتمدت التشاركية للوصول إلى التوافق المطلوب.

وراجعت اللجنة قانون الأحزاب السياسية وعددًا من التجارب والنماذج الدولية، بالإضافة إلى (120) تقريرًا ودراسة وبحثًا ترتبط بتطوير العمل الحزبي وتفعيله، وأجرت (89) حوارًا مع التيارات السياسية والحزبية بألوانها كافة.

وانطلاقًا من أهمية تطوير القوانين السياسية وتحديثها، وإيمانًا بالدور الذي يؤمَل أن تؤديه الأحزاب السياسية في الحياة السياسية الأردنية وفي تحديث المنظومة السياسية الوطنية، توافقت اللجنة على أهداف مشروع قانون الأحزاب السياسية وأسبابه الموجبة على النحو التالي:

  1. تمكين الأحزاب السياسية من المشاركة في الحياة السياسية والعمل العام بطرقٍ سلميّة ديمقراطية لغايات مشروعة ومن خلال خوض الانتخابات بأنواعها، للوصول إلى البرلمان ببرامج قابلة للتطبيق وتشكيل الحكومات أو المشاركة فيها وفقًا للمادة (35) من الدستور.
  2. توسيع تمثيل الأحزاب السياسية للمجتمع الأردني عبر تحفيز المواطنين والمواطنات على تشكيل أحزاب سياسية برامجية، والمشاركة فيها بحرّية وفاعلية.
  3. تعزيز الدور السياسي للمرأة والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة في الحياة الحزبية والعامة.
  4. تسهيل مهمة الأحزاب السياسية في تأهيل القيادات السياسية الكفؤة وخاصة الشابة منها، القادرة على التعامل مع التحدّيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتولي المناصب الحكومية، والالتزام بآليات العمل النيابي الناجح.
  5. تمكين الأحزاب السياسية من المشاركة في الانتخابات بأنواعها شتى، عبر تجويد برامجها واستقطاب الناخبين والمؤيّدين لها، ومساعدتها على الانخراط في قضايا الشأن العام والمساهمة بوضع حلول لها، للوصول إلى مجلس نواب عمادُه الكتل البرلمانية الحزبية الفاعلة.

وقد حُدِّد الهدف الوطني لتطوير المنظومة الحزبية بـ: أحزاب برامجية قوية ذات توجهات وطنية قادرة على المشاركة الفاعلة والوصول إلى البرلمان والمشاركة في الحكومات.

أبرز التطورات في قانون الأحزاب السياسية

شهدت مسوّدة مشروع قانون الأحزاب السياسية تطورات جوهرية في آلية تشكيل الأحزاب السياسية وفي تمكينها للتحوُّل إلى أحزاب برامجية قادرة على الوصول للبرلمان. وفي ما يلي أبرز هذه التطورات:

1- التحول إلى أحزاب برامجية فاعلة

- التأكيد على دور الحزب في خوض الانتخابات النيابية وأيّ انتخابات أخرى، وتشكيل الحكومات أو المشاركة فيها وفقًا للمادة (35) من الدستور؛ إذ نصّ التعريف القانوني للحزب على:

«الحزبُ تنظيمٌ سياسيّ وطنيّ، يتألف من أردنيين تجمعهم قيم المواطنة وأهداف وبرامج ورؤى وأفكار مشتركة، ويهدف إلى المشاركة في الحياة السياسية والعمل العام بطرقٍ سلميّة ديمقراطية لغايات مشروعة ومن خلال خوض الانتخابات بأنواعها، بما فيها الانتخابات النيابية، وتشكيل الحكومات أو المشاركة فيها وفقًا للمادة (35) من الدستور.

- يؤسس الحزب على أساس المواطنة والمساواة بين الأردنيين، والالتزام بالديمقراطية، واحترام التعددية السياسية

- لا يجوز تأسيس الحزب على أسس دينية أو طائفية أو عرقية أو فئوية، ولا على أساس التفرقة بسبب الجنس.

- طلب القانون من الحزب أن ينشر على موقعه الإلكتروني برنامجه الذي يحدّد فيه رؤيته وأهدافه وخططه وحلوله إزاء القضايا الأساسية في المجالات المختلفة.

2- توسيع المشاركة الحزبية

- نصّ القانون على أن لا يقلّ عدد المتقدمين لتأسيس الحزب عن ثلاثمائة عضو.

- منح القانونُ الأحزابَ السياسية فرصةً لتنمية المشاركة الأفقية على مستوى المحافظات، والاجتماعية على مستوى الشباب والمرأة، لحين عقد المؤتمر التأسيسي للحزب خلال مدة زمنية لا تتجاوز سنة، شريطةَ:

  1. أن لا يقل عدد الأعضاء المؤسسين للحزب تحت التأسيس عند انعقاد المؤتمر التأسيسي عن ألف شخص.
  2. أن يكون المؤسسون من سكان (6) محافظات على الأقل، مع مراعاة أن لا يقل عددهم عن (30) شخصًا من كلّ محافظة.
  3. أن لا تقل نسبة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين (18) و(35) سنة عن (20%) من عدد المؤسسين.
  4. أن لا تقل نسبة المرأة عن (20%) من عدد المؤسسين.

٥. أن يكون من بين المؤسسين واحد على الأقل من الأشخاص ذوي الإعاقة.

٦. أن لا يقل عدد المؤسسين الحاضرين وجاهيًّا في المؤتمر التأسيسي عن أغلبية أعضائه المؤسسين.

- كفل القانون عدمَ جواز التعرُّض لأيّ مواطن أو مساءلته أو محاسبته أو المساس بحقوقه الدستورية أو القانونية بسبب انتمائه الحزبي.

- يحقّ لطلبة مؤسسات التعليم العالي الأعضاء في الحزب ممارسة جميع الأنشطة الحزبية داخل حرم تلك المؤسسات من دون أيّ تضييق أو مساس بحقوقهم، على أن يصدر نظام خاص لتنظيم هذه الأنشطة.

- نصّ القانون على أن يضمن الحزب حقّ منتسبيه من فئتي المرأة والشباب في تولّي المواقع القيادية فيه، واستقطاب الأشخاص ذوي الإعاقة وتمكينهم واستثمار طاقاتهم في خدمة أهدافه، وتوفير الترتيبات والمرافق التيسيرية وإمكانية الوصول لممارسة نشاطهم. كما نصّ القانون على أن يمكّن الحزبُ منتسبيه من فئات المرأة والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة من الوصول إلى موارده المتوفرة بشكل عادل ومتكافئ، خاصةً أثناء الحملات الانتخابية.

- نصّ القانون على واجب الحزب في نشر التوعية والتثقيف بأهمية الأحزاب السياسية ودورها في المشاركة السياسية.

3- الاستقلالية والحوكمة

- أنشأ القانون دائرةً تسمّى (سجلّ الأحزاب) في الهيئة المستقلّة للانتخاب، لتحقيق المزيد من الشفافية والاستقلالية بما يخص شؤون الأحزاب.

- حصرَ القانون دور (سجلّ الأحزاب) في وظائف محدّدة أبرزها:  التنسيب لمجلس مفوضي الهيئة بالموافقة على طلب تأسيس الحزب وفقًا لأحكام قانون الأحزاب السياسية، ومتابعة شؤون الأحزاب من حيث عقد المؤتمرات والانتخابات، والتأكد من تطبيقها للقانون ولأنظمتها الأساسية، وإصدار القرارات الخاصة بشؤون الأحزاب وفقًا لأحكام قانون الأحزاب والتشريعات ذات العلاقة، ودعوة مندوب الحزب لحضور أيّ اجتماع يتعلق بحزبه والمناقشة فيه، والتأكد من إنفاق الحزب أموالَه على الغايات والأهداف المنصوص عليها في نظامه الأساسي وبما لا يخالف أحكام القانون والأنظمة الصادرة بمقتضاه.

- ألزم القانون المفوَّض (عضو مجلس مفوضي الهيئة المكلَّف بإدارة السّجلّ) برفع تقارير شهرية للمجلس وكلّما دعت الحاجة، وأكد القانون أن قرارات المفوَّض لا تُعتبر نافذة إلا بعد موافقة المجلس عليها.

- أجاز القانون للحزب إقامة علاقات سياسية مع أحزاب أخرى داخلية أو خارجية أو مع اتحادات أحزاب سياسية دولية، وذلك ضمن إطار المصلحة الوطنية والسياسة العامة للدولة شريطة الالتزام بأحكام الدستور والقانون، وعلى ألّا تشكّل تلك العلاقة ارتباطًا تنظيميًّا بتلك الأحزاب أو الاتحادات.

- يُحظَر على الحزب تلقّي أيّ تمويل أو هبات أو تبرعات نقدية أو عينية من أيّ دولة أو جهة أجنبية أو شخص أجنبي أو أيّ مصدر مجهول أو من المؤسسات الرسمية أو العامة أو الشركات التي تملك الحكومة ما نسبته (51%)  فأكثر من أسهمها.

4- التمكين المالي للأحزاب

- يتمتع الحزب بعد الإعلان عن تأسيسه بشخصيةٍ اعتبارية، ويحقّ له تملُّك الأموال المنقولة وغير المنقولة اللازمة لتمكينه من القيام بمهامه وبأيّ تصرفات أخرى وفقًا لأحكام القانون.

- تُعفى مقارّ الحزب من جميع الضرائب والرسوم الحكومية التي تترتب على الأموال غير المنقولة.

- تُعدّ التبرعات والهبات المقدَّمة للحزب بمثابة النفقات القابلة للتنزيل من الأموال الخاضعة لضريبة الدخل على الشركات والأفراد، بما يتوافق مع أحكام قانون ضريبة الدخل.

- يُخصَّص بند في الموازنة العامة للدولة للمساهمة في دعم الأحزاب من أموال الخزينة، وتحدَّد شروط تقديم الدعم ومقداره وأوجُه وإجراءات صرفه بموجب نظام يصدر لهذه الغاية.

- لغايات قيام المسؤولية الجزائية، تُعدّ أموال الحزب بحكم الأموال العامة، ويُعدّ القائمون على شؤون الحزب والعاملون فيه بحكم الموظفين العامّين.

5- ترسيخ مبدأ سيادة القانون

- باستثناء حالات الجرم المشهود، لا يجوز تفتيش مقارّ أيّ حزب إلّا بقرار من المدعي العام المختص وبحضوره وحضور ممثل عن الحزب، فإذا رفض الممثلُ الحضورَ يثبَّت ذلك في محضر التفتيش الذي يجرى حينئذ بحضور شاهدَين.

- تختصّ المحكمة الإدارية بالنظر في الطعون المتعلّقة بتأسيس الحزب، ويُنظر في هذه الطعون بصفة الاستعجال والطعون المتعلّقة بالقرارات النهائية للحزب الصادرة للفصل في المخالفات والنزاعات بين أعضائه وقيادته التنفيذية ووفق أحكام نظامه الأساسي.

- لا يجوز حلّ الحزب إلا وفقًا لأحكام نظامه الأساسي أو بقرار قضائي قطعيّ وفقًا لأحكام قانون الأحزاب السياسية.

- ضمان الحياد المؤسسي لمؤسسات الدولة وأجهزتها، من خلال منع انخراط بعض الفئات الوظيفية في الدولة بالأحزاب (يشمل هذا: رئيس وموظفي الديوان الملكي الهاشمي، والقضاة، ورئيس وأعضاء المحكمة الدستورية، ورئيس وأعضاء مجلس مفوّضي الهيئة المستقلّة للانتخاب، ومحافظ البنك المركزي، ورئيس وأعضاء مجلس هيئة النزاهة ومكافحة الفساد، ورئيس ديوان الخدمة المدنية، ورئيس ديوان التشريع والرأي، ورئيس ديوان المحاسبة، والحكام الإداريين، وأعضاء السلك الدبلوماسي والقناصل الفخريين، ومنتسبي القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وأمين سجلّ الأحزاب، وموظفي دائرة الجمارك).

6- العمل الديمقراطيّ داخل الأحزاب وفي ما بينها

- لا يجوز للأمين العام للحزب شغل هذا الموقع لأكثر من دورتين متتاليتين، على أن يحدّد الحزب مدة الدورة في نظامه الأساسي، وعلى أن لا تزيد مدة الدورة الواحدة عن أربع سنوات.

- على الحزب عقد مؤتمره العام مرة كلّ أربع سنوات على الأقل، وفي حال عدم عقده المؤتمرَ العام خلال المدة المحددة يفقد حقّه في الاستفادة من المساهمة المالية المقررة له، على أن يستعيد هذا الحق بعد تصويب أوضاعه.

- ضمان حق المرأة والشباب في تولّي المواقع القيادية في الأحزاب، واستقطاب الأشخاص ذوي الإعاقة وتمكينهم واستثمار طاقاتهم في خدمة أهداف الحزب.

- يحقّ للأحزاب تشكيل تحالف بهدف خوض الانتخابات النيابية أو غيرها من الانتخابات وفقًا لأحكام قانون الانتخاب لمجلس النواب.

- تسهيل عملية الاندماج بين الأحزاب، ويتمتع الحزب الناتج عن عملية الاندماج بالشخصية الاعتبارية، ويُعدّ الخلفَ القانوني للأحزاب المندمجة، وتؤول إليه جميع الحقوق العائدة لها، بما فيها مقاعدها في مجلس النواب، ويتحمل الحزب الجديد الالتزامات المترتبة على الأحزاب المنحلّة حكمًا.

الآثار السياسية والاجتماعية لتطبيق قانون الأحزاب السياسية بعد إقراره

  1. سيساهم قانون الأحزاب السياسية والمنظومة الحزبية في ترسيخ الهوية الوطنية الأردنية من خلال ما أتاحه القانون وما تضمّنه من اشتراطات، مثل توسيع قاعدة المؤسسين، والالتزام بوجود ستّ محافظات ممثَّلة من المؤسسين عند عقد المؤتمر التأسيسي. كما سيساهم القانون في تأكيد هوية الأحزاب الوطنية ومنع أيّ ارتباطات أو امتدادات خارجية لها.
  2. توسيع قاعدة المشاركة الحزبية وتحديدًا من قِبَل فئتي المرأة والشباب وطلبة الجامعات؛ ومن المؤمَل أن تتيح التطورات التي شملها القانون تغييرَ هيكل العضوية في الأحزاب ومدِّها بدماء جديدة.
  3. تعزيز استقلالية شؤون الأحزاب من خلال إتباع الجهة المعنية بالشؤون التنظيمية للأحزاب للهيئة المستقلّة للانتخاب.
  4. سيساهم القانون في تطوير منظومة الشفافية والمساءلة داخل الأحزاب.
  5. سيوفر القانون ضمانات واضحة لحرية العمل الحزبي، الأمر الذي سينعكس على تنمية مجال عام وطنيّ أكثر تعدُّدية.
  6. من المؤمَل أن يساهم القانون والمنظومة الحزبية في ظهور جيل جديد من الأحزاب الأردنية ذات قواعد شعبية واسعة ومنتشرة، سواء بإنشاء أحزاب جديدة أو بتطوير الأحزاب القائمة أو باندماج أحزاب قائمة في كيانات حزبية جديدة.
  7. من المؤمَل أن يساهم القانون والمنظومة الحزبية في تغيُّر واضح في دمقرطة الأحزاب والتناوب في هياكل الإدارة والقيادة فيها.
  8. من المؤمَل أن يساهم القانون والمنظومة الحزبية في تمكين الأحزاب إداريًّا وتنظيميًّا وفي زيادة قدرتها على اتّباع قواعد الحوكمة الرشيدة.
  9. من المؤمَل أن تقود التطورات السابقة إلى أحزاب برامجية قوية قادرة على المشاركة الفاعلة والوصول إلى البرلمان والمشاركة في حكومات برلمانية.
المحور الثالث: ملخّص التعديلات الدستورية المقترحة وضمانات تمكين الشباب والمرأة

درست اللجنة الملَكيّة لتحديث المنظومة السياسيّة على مدار ثلاثةِ أشهر، جميعَ المواد الدستورية المتعلقة بعملها، ملتزمةً بإطار التكليف السامي، المتمثلِ بالنظر في التعديلات الدستورية المتصلةِ بقانونَي الانتخاب والأحزاب السياسية وبآليات العمل النيابي.

وزاد عددُ المواد التي درستها اللجنة على خمسين مادةً دستورية، وارتأت اللجنة أن توصي بتعديل (22) مادة منها، بما يضمن الاستجابة للرسالة الملَكيّة السامية، وبغية مواءمة الدستور لمسوّدتي مشروعَي قانونَي الانتخاب والأحزاب السياسية اللتين وضعتهما اللجنة، إضافة إلى المواد الدستورية المتصلة بآليات العمل النيابي بهدف تطوير الأداء التشريعي والرقابي والنهوض بهما، وتمكين الشباب والمرأة وذوي الإعاقة وتعزيز دورهم ومكانتهم في الدستور والمجتمع.

وخرجت اللجنة بمقترحات وتوصيات ضمن ثلاثة محاور، وكالتالي:

١. تعديلات لتمكين الشباب والمرأة وتعزيز مشاركتهم في الحياة العامة

أوصت اللجنة بإجراء تعديل جوهري على المادة (6) من الدستور التي تكرّس مبدأ المساواة قاعدةً أساسيةً من أجل ممارسة الحقوق والحريات الدستورية، فأضافت فقرتين جديدتين إلى هذه المادة تخاطبان الشباب والمرأة، هما:

الفقرة (6) التي تنصّ على أن: (تكفل الدولة تمكين المرأة ودعمها للقيام بدور فاعل في بناء المجتمع بما يضمن تكافؤ الفرص على أساس العدل والإنصاف وحمايتها من جميع أشكال العنف والتمييز).

والفقرة (7) التي تنصّ على أن: (تكفل الدولة ضمن حدود إمكانياتها تمكين الشباب في المساهمة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وتنمية قدراتهم ودعم إبداعاتهم وابتكاراتهم وتعزيز قيم المواطنة والتسامح وسيادة القانون).

وضمن توجُّهات اللجنة لتعزيز مشاركة الشباب في الحياة السياسية، جرى تعديل المادة (70) من الدستور لتخفيض سنّ الترشُّح لمجلس النواب ليصبح (25) سنة شمسية. كما جرى تعديل عنوان الفصل الثاني من الدستور ليصبح: (حقوق الأردنيين والأردنيات وواجباتهم).

كما شملت اللجنةُ في تعديلاتها الأشخاصَ ذوي الإعاقة، إذ أعادت صياغة الفقرة (5) من المادة (6) من الدستور لتأكيد ضمان الدولة لحقوقهم الأساسية، وعلى النحو التالي: (يحمي القانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة ويعزز مشاركتهم واندماجهم في مناحي الحياة المختلفة، كما يحمي الأمومة والطفولة والشيخوخة ويرعى النشء ويمنع الإساءة والاستغلال)

٢. تعديلات لتحصين الأحزاب الأساسية وحمايتها من أيّ تأثيرات سياسية

أوصت اللجنة الملَكيّة بتعديل المادة (2/67) من الدستور المتعلقة بإنشاء هيئة مستقلّة تدير الانتخابات النيابية والبلدية وأيّ انتخابات عامة وفقًا لأحكام القانون، وذلك بإضافة اختصاص جديد لها يتعلق ‌بالنظر في طلبات تأسيس الأحزاب السياسية ومتابعة شؤونها وفقًا لأحكام القانون. وتمثّل الهدف من هذا التعديل بإناطة صلاحية الإشراف على تأسيس الأحزاب السياسية ومتابعة شؤونها بجهة محايدة ومستقلّة عن الحكومة، بما يعزز مبادئ العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص والنأي عن أيّ تأثيرات حكومية.

٣. تعديلات لتطوير آليات العمل النيابي

قدمت اللجنة مجموعة من المقترحات الخاصة بالنصوص الدستورية المتعلقة بآليات العمل النيابي بهدف تحديثها لتواكب التطورات السياسية والقانونية التي شهدها النظام الدستوري الأردني منذ صدور الدستور في عام 1952، وتتمثل بالآتي:

  • قُدمت توصية بإلغاء حكم الجمع بين عضوية مجلس الأمة والمنصب الوزاري، إذ تم اقتراح تعديل المواد (52) و (64) و(76) بهذا الخصوص. وتمثلت مبررات هذا التعديل في تكريس مبدأ الفصل بين السلطات وتعزيز استقلالية العمل البرلماني بما يضمن فعالية الكتل النيابية البرامجية ويكفل الدورَ الدستوري الرقابي لأعضاء مجلس الأمة.

2- قُدمت توصية بتعديل المادة (1/53) من الدستور، بربط العدد المطلوب من أعضاء مجلس النواب لعقد جلسة الثقة بالحكومة أو بأيٍّ من الوزراء فيها، بنسبة لا تقل عن (25٪) من أعضاء مجلس النواب. وتمثلت مبررات هذا التعديل في الحفاظ على استقرار العلاقة بين الحكومة ومجلس النواب، مع عدم الإخلال بحق الأقلية النيابية في ممارسة دورها الرقابي وتعزيز عمل الكتل النيابية في مجلس النواب بما يراعي الزيادة المضطردة عبر العقود الماضية في عدد أعضائه، بالإضافة إلى ضمان الممارسة الفضلى لهذه الأداة الدستورية الرقابية المهمة.

3- قُدمت توصية بإضافة فقرة جديدة للمادة (53)، توجب على أيّ وزارة أن تتقدم ببيانها الوزاري إلى أيّ مجلس نواب جديد وأن تطلب الثقة على ذلك البيان خلال شهر واحد من تاريخ اجتماع هذا المجلس، وذلك لتعزيز الدور الرقابي لمجلس النواب من خلال طلب الحكومة ثقةَ المجلس الجديد على أساس بيانها الوزاري.

4- قُدمت توصية بتعديل المادة (2/54) التي تتعلق باستقالة الوزارة التي يصوّت مجلس النواب على عدم الثقة بها بالأكثرية المطلقة من مجموع عدد أعضائه، إذ أضيف حكم يقضي بأنه لا يجوز تكليف رئيسها بتشكيل الوزارة التي تليها. وتمثلت مبررات هذا التعديل في ترسيخ أدوات العمل النيابي والدور الرقابي لمجلس النواب من خلال احترام رغبة الأغلبية النيابية.

5- قُدمت توصية بتعديل المادة (56) من الدستور التي تتعلق بحقّ مجلس النواب بإحالة الوزراء إلى النيابة العامة، إذ تم قصْرُ نطاقها على الوزراء العاملين. وتكمن مبررات هذا التعديل في الحد من تحصين الوزراء السابقين وتعزيز دور السلطة القضائية عبر محاكمتهم أمام القضاء شأنهم في ذلك شأن أيّ شخص، بالإضافة إلى تركيز الجهود وتمكين مجلس النواب من الرقابة على القضايا المتعلقة بالوزراء العاملين.

6- قُدمت توصية بتعديل المادة (2/59) والمادة (1/60) من الدستور المتعلقتين بحق مجلسَي الأعيان والنواب بطلب تفسير الدستور والطعن المباشر بعدم دستورية القوانين والأنظمة النافذة لدى المحكمة الدستورية، ليثبت الحق بالطعن وطلب التفسير لما لا يقل عن (25%) من عدد أعضاء مجلسي الأعيان أو النواب، وذلك بهدف تمكين الأقلية البرلمانية والأحزاب الممثلة في البرلمان والكتل النيابية من القيام بدورها الرقابي والتشريعي عبر اللجوء إلى المحكمة الدستورية، وتخفيف متطلبات الوصول إلى المحكمة.

7- قُدمت توصية بتعديل المادة (1/69) من الدستور لتصبح مدة رئاسة مجلس النواب سنة شمسية واحدة، مع تقرير الحق لأعضاء مجلس النواب بالتصويت على فقدان رئيس مجلس النواب لمنصبه، ومعالجة حالة وفاة رئيس مجلس النواب أو استقالته. فإن شغر منصب رئيس المجلس بسبب الاستقالة أو الوفاة أو لأيّ سبب من الأسباب يتولى نائب الرئيس رئاسة المجلس لحين انتخاب رئيس جديد خلال مدة أسبوعين من تاريخ شغور المنصب لاستكمال المدة المتبقية للرئاسة. وجاءت مبررات هذا التعديل لمنح أعضاء مجلس النواب الحق في اختيار رئيس المجلس وتقييم أدائه سنويًّا، ومنحهم فرصًا إضافية للترشح إلى رئاسة مجلس النواب، وتوحيد المدة الزمنية لأعضاء المكتب الدائم بين الرئيس ونوابه ومساعديه. بالإضافة إلى منح أعضاء مجلس النواب الحق في التصويت بنسبة ثلثي الأعضاء على إقالة رئيس المجلس، وذلك لضمان تأييد الأغلبية الحزبية للرئيس من أجل ضمان استمراريته في منصبه وقيامه بواجباته. كما عالج التعديل حالات شغور منصب رئيس مجلس النواب والأثر الدستوري المترتب عليه.

8- قُدمت توصية بتعديل المادة (70) من الدستور لتضاف إلى شروط العضوية في مجلس النواب التي حددتها المادة (75) من الدستور الشروطُ التي ينص عليها قانون الانتخاب. ويتمثل مبرر هذا التعديل في استحداث حكم دستوري يتيح إضافة شروط للعضوية في مجلس النواب بموجب قانون الانتخاب زيادةً على ما ورد في الدستور تسمح للأحزاب بالمشاركة في الانتخابات النيابية عبر قوائم تقتصر على مرشحين حزبيين، الأمر الذي يساهم في تطوير العمل النيابي وتعزيز منظومة العمل الحزبي والحياة السياسية بشكلٍ عام.

9- قُدمت توصية بتعديل المادة (1/71) من الدستور في ما يخص الجهة القضائية التي يسند إليها اختصاص الفصل في صحة نيابة أعضاء مجلس النواب، وذلك بأن تكون هذه الجهة محكمة التمييز بدلًا من محكمة الاستئناف، ومبرر هذا التعديل توحيد الاجتهاد القضائي الصادر في الطعون المقدمة في صحة نيابة أعضاء مجلس النواب، من خلال إسناد صلاحية الفصل فيها إلى محكمة التمييز باعتبارها المرجعية القضائية العليا عوضًا عن محاكم الاستئناف الثلاث.

10- قُدمت توصية بتعديل المادة (72) من الدستور لتصبح استقالةُ أعضاء مجلس النواب نافذة من تاريخ تقديمها من دون الحاجة لموافقة المجلس، ومبرر هذا التعديل إتاحة الفرصة للنائب الذي يرغب بالمشاركة في الحكومات وإزالة أيّ عوائق تحول دون ذلك، وتكريس استقرار العمل النيابي وجدّيته.

11- قُدمت توصية بتعديل المادة (2/74) مفادها أن الحكومة التي يحل مجلس النواب في عهدها قبل الأشهر الأربعة الأخيرة التي تسبق انتهاء مدة المجلس تستقيل خلال أسبوع من تاريخ الحل ولا يجوز تكليف رئيسها بتشكيل الحكومة التي تليها، ومبرر هذا التعديل تكريس التوازن بين مجلس النواب والحكومة، وذلك بأن تستقيل الحكومة التي يحل مجلس النواب في عهدها قبل انتهاء مدة المجلس الدستورية بما يزيد على أربعة أشهر، لكون حل المجلس خلال الأشهر الأربعة الأخيرة من مدته يكون بهدف إجراء انتخابات نيابية جديدة، الأمر الذي لا يستلزم استقالة الحكومة. بالإضافة إلى أن هذا التعديل يكرس مبدأ الشفافية وتكافؤ الفرص بين المترشحين للانتخابات النيابية من حيث أن بقاء النائب خلال فترة الأشهر الأربعة على رأس عمله يعطيه ميزات إضافية لا يتمتع بها غيره من المترشحين. 

12- قُدمت توصية بتعديل المادة   (2/75)من الدستور بحيث يمتنع على كل عضو من أعضاء مجلسي الأعيان والنواب أثناء مدة عضويته أن يتعاقد مع الحكومة أو المؤسسات الرسمية العامة أو المؤسسات العامة أو الشركات التي تملكها أو تسيطر عليها الحكومة أو أي مؤسسة رسمية عامة أو مؤسسة عامة سواء كان هذا التعاقد بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، ولا يؤجرها أو يبيعها شيئًا من أمواله، أو يقايضها عليه، ولا يبرم معها أي عقد كان، وإذا تلقى هدية نقدية أو عينية بسبب العضوية أو بمناسبتها، تؤول ملكيتها إلى الخزانة العامة للدولة وعلى النحو الذي ينظمه القانون، وذلك تكريسًا لمبدأ الشفافية والنزاهة، ولحماية المنصب العام من أي محاولة استغلال للمصالح الشخصية، بالإضافة إلى تفعيل قاعدة عدم تضارب المصالح وتشديد القيود على التصرفات والأعمال التي يحظر على أعضاء مجلسي الأعيان والنواب القيام بها أثناء عضويتهم.

13- قُدمت توصية بتعديل المادة (84) من الدستور بإضافة فقرة جديدة تتعلق بصدور قرارات كل من المجلسين بموافقة ثلثي أصوات الأعضاء الحاضرين إذا كان القرار متعلقًا بالقوانين الناظمة للانتخاب والأحزاب السياسية والقضاء والهيئة المستقلة وديوان المحاسبة والنزاهة ومكافحة الفساد، وذلك بعد توافق غالبية أعضاء اللجنة على أهمية تحصين هذه التشريعات وضمان استقرارها والنأي بها عن أي تأثيرات سياسية مستقبلية، من خلال اشتراط أكثرية الثلثين لإقرار هذه التشريعات نظرًا لأهميتها في الحياة السياسية ولضمان عدم سهولة تعديلها بما يخدم أي أهداف سياسية بعيدة عن المصلحة العامة.

14- قُدمت توصية بتعديل المادة (86 /1) من الدستور المتعلقة بحصانة أعضاء مجلسي الأعيان والنواب، وذلك بأن يقتصر نطاقها على التوقيف دون المحاكمة أثناء جلسات المجلس، تكريسًا لمبدأ سيادة حكم القانون وعدم تعطيل إجراءات التقاضي ومنح أعضاء مجلسي الأعيان والنواب الحصانة اللازمة والكافية للاضطلاع بدورهم التشريعي والرقابي، لكون المحاكمة لا تحول بين قيام العين أو النائب بعمله التشريعي والرقابي.

15- قُدمت توصية بتعديل المادة (92)  من الدستور بحيث يُمنح مجلسا الأعيان والنواب الحق في تشكيل لجنة مشتركة، وفقًا للنظام الداخلي لكل منهما، لبحث المواد المختلف فيها لمشروع أي قانون والتوافق على صيغة نهائية ورفع توصياتها للمجلسين، وذلك لتطوير آليات العمل البرلماني من خلال وضع أطر جديدة لتنظيم وتسهيل أعمال الجلسة المشتركة ومأسستها عبر تشكيل لجنة مشتركة من أجل توفير الجهد والوقت على أعضاء المجلسين، وتكريس مبدأ التعاون بينهم.

16- قُدمت توصية بتعديل المادة (1/112)  من الدستور لصالح دمج قانوني الموازنة العامة وموازنات الوحدات الحكومية في قانون واحد، وذلك من أجل تفعيل الرقابة البرلمانية على جميع إيرادات ونفقات الحكومة والهيئات المستقلة، لتكريس مبدأ الشفافية عبر توحيد المرجعية المالية تحت مظلة قانونية واحدة، وتمكين الحكومة من بسط رقابتها على إيرادات الهيئات المستقلة ونفقاتها، بالإضافة إلى تطوير آليات العمل البرلماني وتفعليه عبر اختصار الجهد والوقت لأعضاء مجلس الأمة عند مناقشة قانون الموازنة.

17- قُدمت توصية بتعديل المادة (119)  من الدستور بإضافة فقرة جديدة تتعلق بوجوب قيام مجلسي الأعيان والنواب بمناقشة تقرير ديوان المحاسبة خلال الدورة التي يقدم فيها أو الدورة العادية التي تليها على الأكثر، تكريسًا لمبدأ الحفاظ على المال العام، وتطوير الدور الرقابي للبرلمان وتفعيله من خلال قيام مجلسي الأعيان والنواب بمناقشة تقرير ديوان المحاسبة ضمن سقف زمني محدد، فالنص القديم لا يلزم المجلسين بمناقشة التقرير من أصله.

المحور الرابع: ملخّص توصيات تحديث منظومة الإدارة المحليّة وضمانات تمكين الشباب والمرأة

اعتمدت اللجنة منهجيةَ التشاركية والحوار الداخلي والخارجي، والاستفادة من الخبرات الوطنية في مجالات الحكم المحلي والإدارة المحلية واللامركزية الإدارية وشؤون البلديات والتنمية المحلية والتشريعات المرتبطة بها، وراجعت عددًا من التجارب الدولية ودرَستها وحدّدت الدروس المستفادة منها.

وفي ضوء الرسالة الملَكيّة التي شُكِّلت بموجبها اللجنةُ، والمراجعات التي تمت ومتطلبات المصلحة الوطنية العليا في إحداث نقلة نوعية في تحديث الدولة الأردنية مع بداية المئوية الثانية كما أشار جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين؛ حدّدت اللجنة الهدف الوطني لتحديث منظومة الإدارة المحلية، كما يلي:

(الوصول إلى حكم محلّي رشيد، قادر على الاضطلاع بمهام التنمية المحلية والخدمات بشكل مستقل وفعّال، بناء على برامج اختارها المواطنون عبر انتخابات حرة ونزيهة، في تناغمٍ وتكاملٍ للأدوار بين الهياكل المختلفة والأقاليم من جهة، والإدارة المركزية من جهة أخرى).

وبناءً على الهدف الوطني، حُدِّدت مجموعة من المبادئ التي طُوِّرَ على أساسها النموذجُ الوطني للإدارة والحكم المحلي على النحو التالي:

  1. اعتماد مبدأ التدرُّج عبر مراحل انتقالية للوصول إلى النموذج الوطني للإدارة المحلية.
  2. التوسُّع عبر المراحل الانتقالية ووفق اختصاصات هياكل الإدارة المحلية في مجالات الخدمات والتنمية المحلية والشؤون الإدارية والمالية.
  3. ضمان مشاركة شعبية واسعة في صياغة هذا النموذج من خلال انتخابات حرة ونزيهة تشمل الإدارة المحلية بمستوياتها المختلفة.
  4. يشكّل النموذج الوطني للإدارة المحلية البنيةَ التحتية لمنظومة التحديث السياسي والإداري والتنموي على المستوى الوطني، إذ يتعلم المواطنون والمواطنات تحديد خياراتهم التنموية بطرق ديمقراطية، ويمارسون التنافس وتصعيد النُّخَب وتمكين المرأة والشباب عبر هياكل واضحة ومتكاملة ومحدَّدة الاختصاصات ووفق منظومة حوكمة رشيدة.
  5. تستجيب عمليات تطوير هياكل الإدارة المحلية لمبادئ تحسين نوعية حياة المجتمعات المحلية.
  6. تستجيب منظومة تطوير الإدارة المحلية لمبادئ حوكمة الخدمات والإدارة ولمبادئ الشفافية والمساءلة.

منظومة تحديث الإدارة المحلية

  1. الخدمات العامة المحلية: وتشمل طيفًا واسعًا من الخدمات التي يحصل عليها المواطنون، كخدمات النظافة والبيئة المحلية والطرق والماء والكهرباء والمواصلات.

وترتبط الخدمات العامة المقدَّمة للمواطنين على مستوى المدن والبلديات والقرى والأحياء السكنية بمستوى رضا المواطن والمجتمع المحلي عن أداء هياكل الإدارة المحلية، الذي ينتقل بالتدريج إلى الرضا العام للمجتمع عن الأداء العام للدولة. وكلما شهدت هياكل الإدارة المحلية المزيد من التحديث والتطور انعكسَ ذلك على نوعية حياة المواطن.

إن النموذج الوطني للإدارة المحلية على مستوى السلطة التنفيذية يقوم على معايير واضحة لتحديث الخدمات العامة المحلية وعبر مراحله الانتقالية وعلى النحو التالي:

- توزيع الخدمات بحسب الاختصاصات بين هياكل الإدارة المحلية في تقديم الخدمات وتكاملها.

- التوسع في تقديم الخدمات العامة محليًّا، وربما ابتكار خدمات جديدة؛ وكلّما ازداد التوجّه نحو الحكم المحلي (خدميًّا وتنمويًّا) توسّعت الخدمات وأصبحت تقدَّم محليًّا.

- الوصول السهل إلى الخدمات من قِبل المواطن، بما يراعي طبيعة الخدمة والاعتبارات الجغرافية والسكانية.

- عدالة الخدمات من خلال ضمان قدرات توزيعية عادلة تراعي العوامل الجغرافية والسكانية والحاجة.

- أتمتة الخدمات والتحسين المستمر لنوعيتها.

  1. المهام الإدارية والمالية: سيبقى التخطيط للمهام الإدارية والمالية مركزيًّا ليكون للدولة الأردنية نسقٌ إداري واحد تحافظ عليه، لكنّ الخدمات المرتبطة بالشؤون الإدارية والمالية وفقًا للنموذج الوطني للإدارة المحلية سينتقل تنفيذها ليصبح محليًّا، ويرتبط ذلك بالشؤون المالية والإدارية ذات الصلة بالموارد البشرية، وبتخصيص الوظائف التي ستنتقل تدريجيًّا محليًّا بحسب الموارد المتاحة، ومن أمثلتها خدمات الأحوال المدنية، والتراخيص، والتوثيق والشهادات، والشؤون القانونية، وغيرها من خدمات مالية وإدارية.
  2. البرامج والمهام التنموية: ويُقصَد بها عمليات التخطيط والتنفيذ التي تهدف إلى إحداث تحولات جوهرية في مجالات الحياة كافة ولا يتضح أثرها إلا على المدى المتوسط أو البعيد، وهي تحتاج إلى رؤية تنموية واقتصادية في إدارة الموارد المحلية وتكاملها على المستوى الوطني.

ظلت البرامج التنموية من صلب اختصاصات الإدارة المركزية في الأردن، وتفيد العديد من التجارب الدولية بأن الكثير من دول العالم أصبحت تميل، وبشكل متزايد، إلى نقل المسؤولية عن هذه البرامج إلى هياكل الإدارة المحلية، أو مشاركتها على الأقل.

إن نموذج الإدارة المحلية في نهاية المرحلة الانتقالية يسعى إلى تطوير أقاليم تنموية تكاملية على مستوى المملكة، كلّ منها له سماته وميزاته التنافسية، الأمر الذي يمكّن من نقل التخطيط والتنفيذ للبرامج التنموية من الإدارة المركزية إلى الأقاليم؛ ولعل أبرز المجالات التي يمكن شمولها بذلك: البنية التحتية، ونظام التعليم والصحة، والأنشطة الاقتصادية، والضرائب، وغيرها من المجالات التي تتطلب استثمارات ضخمة، وفاعلين متعددين، وبرامج تنفَّذ على مدى سنوات إن لم يكن عقودًا.

إن الانتقال الذي يسعى إليه النموذج الوطني للإدارة المحلية في مجال التنمية من المؤمَل أن يراعي المعايير التالية:

  1. مشاركة المجتمعات المحلية في تحديد أولوياتها التنموية، وربط المشاركة بالمسؤولية والمساءلة.
  2. إدارة الموارد المحلية بكفاءة ورشد.
  3. التكامل التنموي على مستويات الأقاليم وصولًا إلى المستوى الوطني.

الهياكل الإدارية والاختصاصات

يشتمل النموذج الوطني للإدارة المحلية في شكله النهائي على أربعة مستويات من الهياكل التنظيمية والإدارية، تتوزّع المهام السابقة عليها؛ وذلك على النحو التالي:

1- المجالس المحلية

يمثل المجلس المحلي الوحدةَ الأساسية الأولى في هياكل الإدارة المحلية، وهو الأكثر تماسًّا بالمواطنين وقربًا منهم ومن حياتهم اليومية، والأكثر معرفةً باحتياجاتهم، وتحديدًا في مجالات الخدمات الأساسية.

وتجسّد المجالس المحلية اللبنات الأساسية للمشاركة الشعبية، ودورها مكمّل لأدوار البلديات. ويجب -دورةً بعد دورة- أن تتزايد المهام الملقاة على عاتق هذه المجالس، وأن تُنقل لها صلاحيات الخدمات المناسبة، التي يمكن أن تزيد من منسوب الرضا لدى المواطنين، إضافة إلى تشجيع عملية التفاعل الأفقي بين المجالس المحلية داخل كل بلدية، وتعزيز روح المبادرة والتعاون والمشاريع المشتركة في ما بينها.

2- المجالس البلدية

هي المسؤول الحقيقيّ عن الخدمات والجوانب التنموية ذات العلاقة بحياة المواطنين اليومية، لا سيما أنها تتمتع بصلاحيات أعلى من المجالس المحلية. وتضطلع المجالس البلدية ببعض الصلاحيات الإدارية، التي يجب أن تتوسّع باضطراد مع تزايد خبرة أعضاء هذه المجالس (الهياكل المنتخَبة (، واكتسابها ثقة مجالس المحافظات.

إن التوسّع في المهام الخدمية والتنموية للمجالس البلدية، يجب أن يقود في النهاية إلى مسؤوليتها شبه الكاملة عن هذه المهام، وضمان استدامة قيامها بهذا الدور، وضرورة أن تشمل مساهمتها الفعالة والناجعة طيفًا واسعًا من الخدمات الإدارية، بحكم قربها من المواطنين، ومعرفتها بالأولويات والاحتياجات الفعلية لهم.

3- مجالس المحافظات

هي الهيئات العليا للإدارة المحلية في الوضع القائم حاليًّا، ومن الطبيعيّ أن تهتم بالنوع الثالث من المهام، المتمثل في البرامج التنموية أساسًا، والخدمية والإدارية بشكل عام. وتبعًا للفلسفة نفسها، يُفترض أن تتكامل هذه المجالس مع المجالس البلدية، وتُشركها في وضع البرامج الخدمية والتنموية والاستثمارية الخاصة بالمحافظة، وتراقب أداءها لمهامها الخدمية والإدارية المشتركة، وتنسّق إدارةَ المهام اللامركزية مع هياكل الحكم المحلي المستجدّة. هذا يوجب استحداث هيكل جامع لعدد من المحافظات على نطاقٍ إقليمي، بما يسهّل عملية الإشراف على عمل مجالس المحافظات، ويتيح للسلطة المركزية نقل المزيد من سلطاتها الإدارية ومهامها الخدمية والتنموية إلى هذه الهياكل المستحدَثة.

4- مجالس الأقاليم

هي الهيئات العليا المنتخَبة للإدارة المحلية في مراحلها الأخيرة، ويُقصَد بها مرحلة الحكم المحلي على مستوى السلطة التنفيذية (تنمويًّا وخدميًّا)، وتتمتع بالعديد من صلاحيات السلطة التنفيذية المركزية، بشكل منسّق ومنضبط يعيد توزيع الأدوار بين المركز والأقاليم، وبما يجعل هذه الأقاليم قادرة على إدارة شؤون التنمية المحلية بكفاءة واحتراف، والإشراف على إدارة الموارد المحلية بما فيها الضرائب التي تحصل عليها، الأمر الذي يقود إلى نموذج تنموي تكاملي بين المحافظات القريبة أو المتشابهة ببعض الخصائص الاقتصادية والاجتماعية؛ في حين يتمتع كل إقليم بميزات تنافسية تجاه الأقاليم الأخرى.

ويتّفق هذا التوجه تمامًا مع طرح جلالة الملك عبدالله الثاني في عام 2005 بإنشاء وحدات إدارية تنموية أكبر تسمّى «أقاليم»، شرطَ امتلاكها مقومات أساسية أبرزها: مساحات زراعية واسعة تلبّي احتياجاتها الغذائية، ومراكز حضرية تتوفر فيها طاقات بشرية متنوعة، ومراكز صناعية وتجارية نشطة، ومساحات صحراوية أو شبه صحراوية يمكن استغلالها لتوليد الطاقة.

الإطار الزمني للوصول إلى النموذج الوطني للإدارة المحلية

يعتمد الوصول إلى النموذج الوطني لتحديث منظومة الإدارة المحلية على إطار زمني متدرِّج يراعي الضرورات التنظيمية والإدارية وطبيعة التطور الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع الأردني، وصولًا إلى تحقيق الهدف الوطني، وذلك على النحو التالي:

المرحلة الأولى (الدورة الأولى- الدورة الثانية)

تطوير الهياكل على مستوى المحافظات والبلديات وتمكينها

  1. بناء قدرات الهياكل والهيئات المنتخَبة والمعيّنة في المحافظات والبلديات في مجالات الموارد البشرية، وتطوير البنى المؤسسية وإنشاء قواعد البيانات القطاعية، ووضع منظومة حوكمة محلية وداخلية.
  2. قيام البلديات بإعداد مخططات شمولية لجميع الأراضي داخل حدود البلدية، بما فيها مخططات استعمالات الأراضي والتوسع العمراني وتخطيط النقل والمرور، إضافة إلى خطتها المستقبلية.
  3. توسيع دائرة الخدمات والمهام التي تقدمها هذه المجالس للمواطنين، وتسهيل عمليات وصول المواطنين اليها.
  4. توفير بيئة ملائمة ومحفّزة لإنشاء مشاريع مشتركة بين المجالس المحلية داخل البلدية، وكذلك بين البلديات في المحافظة أو بين المحافظات داخل كل إقليم، إضافة إلى الشراكة مع القطاع الخاص.
  5. العمل على تعزيز دور الشباب والمرأة والأشخاص ذوي الإعاقة من خلال تشكيل «مجالس الظلّ» للمساندة في عمل الهياكل المنتخَبة.
  6. تفعيل دور الأحزاب البرامجية في الترشح لمجالس المحافظات والبلديات من خلال برامج تنموية.
  7. تخصيص ما لا يقل عن (30%) من مقاعد المجالس المنتخَبة في المحافظات والبلديات للمرأة، وتخصيص مقعد للأشخاص ذوي الإعاقة في الهياكل المنتخبة على مستوى المحافظات والبلديات.
  8. وضع الإطار التشريعي اللازم لإنشاء مجالس الأقاليم، وتحديد مهامها ومسؤولياتها وإطار علاقتها بهياكل الإدارة المحلية الأخرى.

المرحلة الثانية (الدورة الثالثة):

استحداث مجالس الأقاليم

  1. العمل على نقل سَلِس للصلاحيات من المركز إلى مجالس الأقاليم في المجالات الخدمية والإدارية والمالية والتنموية.
  2. إرساء نموذج للعمل التكاملي من المجالس المحلية إلى مجالس الأقاليم، مرورًا بمجالس البلديات والمحافظات.
  3. التفعيل الكامل لأطُر الرقابة والمساءلة وفقًا لأرقى المعايير الدولية على مستوى الإدارة المحلية وهياكلها المختلفة.

التوصيات الإجرائية

في ضوء طبيعة منظومة تحديث الإدارة المحلية السابقة وما تحتاج إليه من إجراءات، توافقت اللجنة على مجموعة من التوصيات الإجرائية على النحو التالي:

أولًا: التوصيات الخاصة باللامركزية الإدارية

  1. تسمية القانون: قانون الإدارة المحلية.
  2. توحيد ضوابط العمليات الانتخابية (البلدية، المحافظة، الإقليم) من خلال اعتماد أداة تصويت واحدة (بطاقة الأحوال المدنية)، واعتماد معايير نزاهة موحّدة لجميع العمليات الانتخابية، واعتماد منظومة عقوبات واحدة للمخالفات الانتخابية في مستويات الانتخابات النيابية والمحلية كافة.
  3. الحفاظ على الهياكل الحالية المنتخَبة لنظام الإدارة المحلية (المجلس المحلي، المجلس البلدي، مجلس المحافظة)، واستحداث مجلس الإقليم خلال الدورة الثالثة على أبعد تقدير.
  4. الإبقاء على الانتخاب المباشر، وذلك لإحداث المزيد من التنمية السياسية.
  5. المضيّ قُدمًا في السياسة المقترحة لتخصيص مظلة رسمية شاملة لمنظومة الإدارة المحلية (اللامركزية الإدارية) ممثلة في (وزارة الإدارة المحلية)، للارتقاء بالعمل الخدمي والإداري والتنموي في المحافظات والبلديات والمجالس المحلية، والحد من تنازع الاختصاصات وتضارب المهام.
  6. تحديد عدد أعضاء المجالس المنتخَبة وتقسيم الدوائر الانتخابية للمجالس، من خلال نظام يصدر لهذه الغاية يراعي الامتداد الحضري، وتوزيع التجمعات السكانية، وعدد السكان، ومؤشرات التنمية.
  7. إصدار نظام للدوائر الانتخابية لمجالس المحافظات والبلديات، يحدَّد فيه عدد الأعضاء من (12) إلى (30) عضوًا لمجالس المحافظات وفقًا لمعايير عادلة.
  8. إلغاء آلية الانتخاب المنفصل لرئيس البلدية، واستبدال انتخاب المجلس بها، ثم ينتخب الأعضاءُ الرئيسَ من بينهم.
  9. تعديل آلية اختيار المدير التنفيذي لمجلس البلدية، لضمان استقلاليته في أداء أعماله وفقًا للقانون.
  10. أن يكون نائب رئيس كلٍّ من مجلسَي المحافظة والبلدية امرأة في حال كانت الرئاسة لرجل.
  11. تمثيل المرأة في المجالس المنتخَبة في المحافظات والبلديات بنسبة لا تقل عن (30%) من عدد المقاعد، وتخصيص مقعد للأشخاص ذوي الإعاقة في الهياكل المنتخَبة على مستويَي المحافظات والبلديات.
  12. السعي لإنشاء لجان متخصصة للمرأة والشباب في هياكل الإدارة المحلية، والنصّ على ذلك في القوانين المنظِّمة لعمل هذه الهياكل، كي لا يبقى تشكيل هذه اللجان مهمة اختيارية.
  13. تقسيم العمل البلدي بين المجلس البلدي (رئيسًا وأعضاء) والجهاز التنفيذي في البلدية، مع مراعاة أحكام المادة (121) من الدستور، بما يضمن تولّي المجلس البلدي رسمَ السياسات والرقابة والإشراف والمتابعة والتدقيق على أعمال البلدية.
  14. إضافة صلاحية المراقبة والمتابعة لمجلس المحافظة، وكذلك مشاركته في تقديم مقترحات المشاريع الخدمية والتنموية عند إعداد الخطة التنموية والخدمية للمحافظة.
  15. تخفيض سنّ الترشح للمجالس البلدية ومجالس المحافظات من سنّ (25) عامًا إلى سنّ (22) عامًا.
  16. اشتراط الشهادة الجامعية الأولى على الأقل مؤهلًا علميًّا لكلٍّ من رئيس مجلس المحافظة والأعضاء ورؤساء البلديات، وشهادة الثانوية العامة (ناجح على الأقلّ لعضوية المجالس البلدية).
  17. وضع نظام خاص بالشراكة بين مشاريع مجالس المحافظات ومجالس البلديات من جهة، والقطاع الخاص من جهة أخرى.

ثانيًا: التوصيات الخاصة باللامركزية المالية

  1. اقتصار موازنات المحافظات على الموازنات الرأسمالية، وذلك لحين بدء عمل مجالس الأقاليم، وهي المرحلة التي ستشهد ترسيخ تطبيق مفهوم اللامركزية الإدارية على مستوى الأقاليم، وتحقيق استقلالها المالي والإداري الذي يمكن من خلاله العمل على تطبيق اللامركزية المالية بصورة كاملة، من خلال إعادة هيكلة قانون الموازنة العامة، ليتضمّن فصلًا خاصًّا بكل إقليم.
  2. إفراد فصل خاص لموازنة كلّ محافظة في قانون الموازنة العامة، وذلك بدلًا من إدراج موازنات المحافظات ضمن موازنات الوزارات والدوائر الحكومية كما هو معمول به حاليًّا.
  3. إعداد موازنات المحافظات بطريقة التخطيط من أسفل إلى أعلى، على أن يتم ذلك بتحديد المشاريع الخدمية واعتمادها، ثم يحدَّد المخصص المالي لها.
  4. نقل الصلاحيات الإدارية والمالية إلى المحافظات، لتصبح مسؤولة عن إعداد موازناتها وتنفيذها؛ الأمر الذي سيساهم في تسريع تنفيذ الموازنات وطرح مشاريعها الرأسمالية من دون تدخل من الوزارات.
  5. زيادة أوجُه الإنفاق للمخصَّصات المالية اللازمة لإدامة عمل مجالس المحافظات، وعدّ رئيس مجلس المحافظة آمرًا بالصرف بخصوصها.
  6. إنشاء حساب خاص لمجالس المحافظات في بنك تنمية المدن والقرى، تُنقَل إليه مخصَّصات موازنات المحافظات مباشرةً بعد إقرار قانون الموازنة العامة، وذلك للحيلولة دون عدم صرف مخصَّصات موازنات المحافظات بكاملها من خلال حجز جزء منها أو تخفيضها من قِبل مجلس الوزراء، وبما يضمن عملية تدوير المبالغ المتبقية من الموازنة السنوية بعد انتهاء السنة المالية، لتمكين هذه المحافظات من الاستمرار في إنفاقها على المشاريع المستمرة، بمعزلٍ عن المخصَّصات المالية للعام التالي، على أن يخضع الصرف من هذا الحساب للرقابة والتدقيق، للتأكد من انسجام ذلك مع التشريعات والتعليمات المعمول بها.
  7. استجابة موازنات المحافظات والبلديات لمتطلبات تمكين المرأة والشباب.
  8. تخصيص بند لنفقات الصيانة والإدامة والطوارئ عند إعداد موازنات مجالس المحافظات والبلديات.
  9. إعادة توزيع إيرادات البلدية بين المجلسَين البلدي والمحلي، بما يضمن عدالة توزيع الخدمات وعوائد التنمية.

ثالثًا: التوصيات الخاصة باللامركزية الخدمية

  1. تعزيز صلاحيات المجالس المنتخَبة لتحقيق التنمية المحلية، بهدف تقوية الاقتصاد المحلي، ورفع جودة الخدمات الأساسية، وفقًا للدراسات التي ستُعدّها الحكومة المركزية لكل محافظة، والتي ستتضمن الفرص الاستثمارية فيها وميزتها التنافسية النسبية.
  2. تمكين الهياكل المنتخَبة والمعيَّنة في المحافظات والبلديات من تحديد احتياجاتها وأولوياتها، وإعداد موازناتها وفقًا لاحتياجاتها الفعلية وإقرارها وتنفيذها والرقابة عليها، والعمل على إعداد الأدلّة الإجرائية ومنهجيات العمل اللازمة لتحقيق ذلك من قِبل الوزارات والمؤسسات المركزية، وتزويد تلك الهياكل بها.
  1. ربط صلاحيات المجالس المنتخَبة في المحافظات والبلديات في اقتراح مشاريع الخدمات وإعدادها وإقرارها وتنفيذها، بدليل الاحتياجات الذي تم إقراره، وأن تقدَّم وفقًا للمعايير العالمية المتعارف عليها ووفق الخطة الوطنية، وبما يتناسب مع المخططات الشمولية، وأن تربط المشاريع المُقَرّة بجدول تشكيلات الوزارات والدوائر الحكومية.
  2. توفير تسهيلات بيئية وترتيبات تيسيرية في مرافق ومقارّ الهياكل المنتخَبة والمعيّنة في المحافظات والبلديات وأنشطتها، بما يحقق شروط الوصول والاستخدام لكبار السنّ والأشخاص ذوي الإعاقة، فضلًا عن إدماج قضايا الإعاقة في البرامج التدريبية والتأهيلية للأعضاء والعضوات ولموظفي وموظفات هذه المجالس.
  3. ضرورة مواكبة الإدارات التنفيذية في المحافظات والمجالس البلدية لمشروع التحوُّل الرقميّ للحكومة المركزية، وتمكينها تقنيًّا من سُبل الوصول إلى ذلك من خلال الجهات المعنية، ليصبح عملُها جزءًا من مشروع التحوُّل الرقمي الوطني.

رابعًا: التوصيات الخاصة بتعديل التشريعات

  1. تعديل القوانين التالية:

قانون البلديات، قانون اللامركزية، قانون الإدارة العامة، قانون بنك تنمية المدن والقرى، قانون تنظيم المدن والقرى والأبنية، قانون الملْكيّة العقارية، قانون ضريبة الأبنية والأراضي داخل مناطق البلديات، قانون رخص المهن، قانون مشروعات الشراكة بين القطاعَين العام والخاص، قانون التقسيم ضمن مناطق البلديات.

  1. تعديل الأنظمة التالية:

النظام المالي للحكومة (للسماح بتدوير موازنات مجالس المحافظات)، نظام المشتريات الحكومية، نظام التقسيمات الإدارية، أنظمة تنظيم إدارة الوزارات (لتسهيل عملية نقل الصلاحيات من المركز إلى المحافظات، نظام استعمالات الأراضي).

  1. استحداث نظام للمساءلة والمحاسبة للهياكل المنتخَبة يكرّس النزاهة والشفافية والرقابة.
المحور الخامس: التدرُّج للوصول إلى النموذج الديمقراطي الأردني

يُقصَد بمنهجية التدرُّج في التحول الديمقراطي؛ الانتقال عبر مراحل زمنية في تطوير التشريعات والبنى المؤسسية والممارسات وصولًا إلى النضوج الديمقراطي، وقد طوّرت الأدبيات السياسية في العقود الأربعة الأخيرة نظريات متعددة في الانتقال السياسي، وتفيد تجارب الموجات الديمقراطية التي شهدها العالم بأن مبدأ الانتقال المتدرِّج أحد ضمانات التحول الديمقراطي الناجح، إذ إن الديمقراطية عملية سياسية اجتماعية وثقافية تتعدّى وضع القرارات وسنّ التشريعات وإجراء الانتخابات.

لقد حدّدت الأوراق النقاشية الملَكيّة الهدف النهائي لعملية التحديث السياسيّ بديمقراطيّة أردنيّة متجدّدة وحيويّة، ترتكز على ترسيخ متدرِّج لنهج الحكومات البرلمانيّة تحت مظلّة الملَكيّة الدستورية، معزَّزًا بمشاركة شعبيّة فاعلة؛ لقد كان واضحًا النهج الوطني في التدرُّج نحو إنضاج الحياة الديمقراطية في السنوات العشر الأخيرة؛ ولقد بيّنت الأوراق النقاشية الملَكيّة في أكثر من موضع مبدأَ التدرُّج وأهميته في الانتقال الآمن والسلِس إلى حياة سياسية متوازنة ومشاركة شعبية فاعلة، ولعلّ ما تحقّق من خطوات إصلاحية في العقد الماضي شكّل أساسًا قويًّا لعملية التدرُّج والبناء التراكمي المتتابع، سواء في التعديلات الدستورية، أو في تطوير التشريعات السياسية، أو في بناء المؤسسات السياسية وتمكينها.

واستمرارًا في تأكيد أهمية مبدأ التدرُّج، أشارت الرسالة الملَكيّة بتشكيل (اللجنة الملَكيّة لتحديث المنظومة السياسية) بوضوح إلى مبدأ التدرُّج، حينما أكد جلالة الملك (إنّ مسؤوليتكم اليوم تتمثل بوضع مشاريع قوانين توافقية تضمن الانتقال المتدرِّج نحو تحقيق الأهداف المستقبلية كاملة)، لهذا اعتمدت اللجنة التدرُّج والانتقال المرحليّ بوصفه آلية للوصول إلى النموذج الديمقراطي الأردني.

لماذا مبدأ التدرُّج؟

  1. تأسست الدولة الأردنية على مبادئ التطور وتقدّمت على هذا الأساس، وشُيّدت مراحل البناء والنهضة والازدهار على نهج التطوُّر المتدرّج، وابتعدت الدولة عن أنماط التغيير الجذري والمفاجئ والسريع، وبقيت آليةُ التحسين المستمر تعمل وإن تباطأت في بعض المراحل أو المحطات؛ ولعلّ هذا الواقع أحدُ أبرز المداخل لفهم حالة الاستقرار الأردني والقدرة على الاستمرار والبناء في ظروف تاريخية عاصفة في المحيط الإقليمي.

لقد شكّل نهجُ التطوُّر المتدرِّج عبر العقود الماضية قيمة سياسية واجتماعية وثقافية أردنية عبّرت عن الحكمة العميقة في إدارة الشؤون العامة، وفي إدارة التغيير الهادئ والمنضبط، وفي عبور التحولات والتخفيف ما أمكن من الخسائر والكُلَف التي عادةً ما تُصاحب التغيير.

  1. إنّ اعتماد مبدأ التدرُّج في الانتقال إلى النموذج الديمقراطي الأردني يُعَدّ ضمانة حقيقية لنجاح هذا النموذج ووصوله إلى مرحلة النضوج والانتقال الآمن. إن التدرُّج ضمانة حقيقية لبناء مجتمع سياسي تعدُّدي تتنافس فيه القوى السياسية على من يقدّم أفضل الخيارات والبرامج لخدمة الصالح العام؛ وفي المقابل يبقى الانتقال السريع محفوفًا بالمخاطر ويعمل على رفع الكُلَف السياسية والاجتماعية للديمقراطية ويجعلها معلّقة في الهواء.

وتحتاج عملية الانتقال إلى تنشئة ديمقراطية يتعلّم فيها الأفراد والجماعات قبولَ الآخر، والتعامل مع أفكار وبرامج متعدّدة، وهذا يحتاج إلى نضوجٍ عبر مراحل زمنية، وهي عملية تشهد تمأسُسًا جديدًا للعديد من المؤسسات كما تشهد أنماطًا مختلفة من العلاقات والتحالفات على مستوى المؤسسات والتيارات والقوى السياسية، الأمر الذي يحتاج إلى مراحل زمنية كافية لإنضاج هذه التحولات.

  1. تحتاج الديمقراطية الناضجة إلى بروز أحزاب سياسية وطنية فاعلة وقادرة على التعبير عن مصالح المجتمع الأردني وأولوياته ضمن برامج قابلة للتطبيق ذات نتائج حقيقية، إذ إن إنضاج العمل الحزبي يحتاج إلى تدرُّج يستدعي ما لا يقل عن ثلاث دورات انتخابية، ومع الأخذ في الاعتبار الإرث التاريخي للتجربة الحزبية الأردنية وما واجهته من عثرات في الخمسينيات من القرن الماضي وما اتّسمت به من ضعفٍ وهشاشة وضعف الثقة الشعبية فيها حينما عادت في التسعينيات، فإن التدرُّج سيشكّل الرافعة الحقيقية لبناء حياة حزبية قوية من دون تشوهات، لذلك حرصت اللجنة على تخصيص نسبة من عدد مقاعد مجلس النواب للقائمة الوطنية الحزبية؛ تزداد تصاعديًّا خلال المجالس المقبلة.

ويمكن تلخيص منهج التدرُّج في تطوير الحياة الحزبية بما يلي:

- إنضاج بنية وطنية للعمل الحزبي، وتأسيس وإعادة تأسيس أحزاب ذات توجهات برامجية وطنية واضحة، بعيدًا عن الالتباس والغموض، الأمر الذي يعني القطيعةَ مع أيّ امتدادات عقائدية أو سياسية أو تنظيمية خارجية.

- إنضاج قدرة الأحزاب على بناء برامج سياسية واقتصادية واجتماعية واقعية، قادرة على إقناع المواطنين والتصويت من أجلها.

- تنمية قدرة الأحزاب على تشجيع الانخراط الشعبي في العمل الحزبي.

- التدرُّج في تنمية قدرة الأحزاب على الوصول إلى مجلس النواب وتشكيل كُتَل نيابية ذات قواعد قوية والمشاركة في الحكومات أو ممارسة المعارضة البنّاءة.

  1. التدرُّج في تطوير الحياة البرلمانية وزيادة كفاءة أداء مجلس النواب والبناء على الإصلاحات التي تمت في السنوات الأخيرة، الأمر الذي يتطلب التدرُّج في مأسسة عمل الكُتَل النيابية وتطورها، كي تُبنى على أسس برامجية وأكثر صلابة وتتطور تدريجيًّا إلى كُتَل حزبية، وهذا يرتبط زمنيًّا بالقدرة على تطوير أحزاب وطنية وبرامجية فاعلة وذات امتدادات شعبية، وتطوير عمل اللجان النيابية وتحسين مخرجاتها، وبناء آليات لدعم أعضاء مجلس النواب بالمعلومات والاستشارات والدراسات والتحسين المستمر للنظام الداخلي للمجلس.
  2. إنّ بناء النموذج الديمقراطي الأردني يحتاج إلى التدرُّج في تطوير العمل الحكومي وتحديثه كي يستجيب إلى التحديث والتحولات التي تجري في الحياة السياسية، ولا يمكن تصوُّر أن يحدث هذا التحديث مباشرةً، فهو يحتاج إلى مراحل متدرّجة تشمل:

- تطوير آليات الحياد المؤسسي وقواعده؛ وذلك بأن تعمل المؤسسات الحكومية بحياد بعيدًا عن التوظيف السياسيّ وسط بيئة سياسية من المفترَض أن تعتاد على التنافس السياسي.

- تطوير آليات مؤسسية داخل الوزارات لدعم السياسيين القادمين من خلفيات حزبية والذين قد لا يتمتعون بخبرة عملية في مجال عمل الوزارات التي سيتولّونها، أي الانتقال من مفهوم (لوزير التكنوقراطي) إلى مفهوم (الوزير السياسي). فمن الضروري أن يصبح الجهاز الحكومي مرجعًا موثوقًا للمعرفة والمساندة الفنية والمهنية، ومن المهم أيضًا أن يعتمد الوزراء على خبرات هذا الجهاز في صنع القرار من دون المساس بمبدأ الحياد الوظيفي.

- تطوير أداء الحكومة والجهاز التنفيذي، ليستجيب للتطورات التي ستشهدها الحياة السياسية ولوجود معارضة قوية تتمتع بالشرعية القانونية والسياسية؛ الأمر الذي يتطلب تطوير أداء الجهاز الحكومي نحو المزيد من التميز والكفاءة والقدرة على الاستجابة للمساءلة والرقابة.

  1. إنّ تطوير منظومة الإدارة المحلية والانتقال بها إلى الحكم المحلي (تنمويًّا وخدميًّا) يتطلّب عمليةَ تدرُّج تصل إلى إحداث تحول اجتماعي ثقافي في حياة المجتمعات المحلية، وهذا التحول المطلوب هو جوهرُ عملية التحديث، وهو الضامن الحقيقي لقدرة المجتمعات المحلية على استيعاب أشكال جديدة من المشاركة تجعلها قادرة على تحديد خياراتها في تطوير الخدمات وفي الارتقاء بالتنمية، وصولًا إلى مجتمعات محلية منتِجة ومتكاملة ضمن أقاليم تنموية قادرة على الاعتماد على الذات.

ملامح التدرُّج في المرحلة الانتقالية

أخذت اللجنة في الاعتبار ضرورة توضيح ملامح التدرُّج في الوصول إلى برلمان معظُمه من أحزاب برامجية، بوصف ذلك أحد المفاصل المهمة في عملية التحديث السياسي، التي تتطلّب دورات انتخابية عدة لإنضاج النموذج الديمقراطي الذي يحتاج دومًا إلى إبقاء آلية التحسين المستمر عاملة.

وهنا، يجب أن تخضع هذه العملية للتقييم المستمر، لتعزيز عناصر القوة فيها وتجاوُز التحدّيات والمعيقات التي تظهر عند التطبيق، لضمان نجاح مسيرة التحديث المنشودة.

أولًا: قانون الانتخاب وتطوير الحياة الحزبية

انطلاقًا من المكانة المركزية للأحزاب في تحديث الحياة السياسية والانتقال إلى برلمانات قائمة على كُتَل وتيارات حزبية برامجية، جاءت قناعة اللجنة بتوسيع قاعدة تمثيل الأحزاب في البرلمان من خلال التدرُّج بتخصيص مقاعد حزبية، وصولًا إلى مجلس نواب ذي أغلبية حزبية برامجية في الدورة البرلمانية الثالثة بعد إقرار مشروع قانون الانتخاب الجديد، وعلى النحو التالي:

المرحلة الأولى: تجري انتخابات (المجلس النيابي العشرين القادم) وفقًا لأحكام قانون الانتخاب الذي قدمت اللجنة مسوّدته وذلك بعد إقراره من البرلمان ومروره بمراحله الدستورية، والذي يقضي بوجود حوالي (30%) من أعضاء مجلس النواب يتم انتخابهم على أساسٍ حزبيّ من خلال الدائرة العامة (القوائم الوطنية)، وهذا يشكّل (41) مقعدًا من أصل (138) مقعدًا تمثل مجموعَ مقاعد المجلس.

المرحلة الثانية: تجري انتخابات المجلس النيابي الحادي والعشرين، وفقًا لمعادلة جديدة لتوزيع مقاعد المجلس، تقضي بتخصيص ما لا يقلّ عن (50%) من المقاعد للأحزاب. وتتم معالجة المقاعد المخصَّصة للمرأة والمسيحيين والشركس والشيشان والدوائر المغلقة على مستوى الدوائر المحلية بموجب نظام يصدر لهذه الغاية.

المرحلة الثالثة: تجري انتخابات المجلس الثاني والعشرين وفقًا لمعادلة جديدة لتوزيع مقاعد المجلس، تقضي بزيادة المقاعد المخصَّصة للأحزاب والائتلافات الحزبية لتصل إلى ما لا يقل عن (65%) من مجموع عدد مقاعد المجلس النيابي.

ثانيًا: تحديث منظومة الإدارة المحلية

يستند مبدأ التدرُّج في تحديث منظومة الإدارة المحلية إلى كَون هذه المنظومة تُعَدّ بنية تحتية أساسية للنموذج الديمقراطي الأردني، وتحتاج إلى مراحل انتقالية قادرة على إحداث تغيير اجتماعي ثقافي موازٍ لعمليات تطوير الإدارة والخدمات والتنمية وتوسيع المشاركة الشعبية فيها وصولًا إلى نموذج الحكم المحلي، وقد توافقت اللجنة على أن تمرّ عملية التدرُّج في الوصول إلى الحكم المحلي بمرحلتين هما:

المرحلة الأولى: تحتاج إلى الدورتين الأولى والثانية، وتشمل تمكين الهياكل المنتخَبة على مستوى المحافظات والبلديات والمجالس المحلية، بما يضمن تطوير القدرات المؤسسية والبشرية، وقيام البلديات بإعداد المخططات الشمولية والخطط المستقبلية، وتوسيع الخدمات والمهام التي تقدمها للمواطنين، وتحفيز الشراكة بين البلديات، وزيادة تمثيل ومشاركة الشباب والمرأة في المجالس المنتخَبة، ومشاركة الأحزاب في انتخابات المجالس.

المرحلة الثانية: وتأتي مع الدورة الانتخابية الثالثة، وتشمل استحداث مجالس الأقاليم، الأمر الذي يتطلب العمل على نقل سَلِس للصلاحيات من المركز إلى مجالس الأقاليم في المجالات الخدمية والإدارية والمالية والتنموية، وإرساء نموذجٍ للعمل التكاملي من المجالس المحلية إلى مجالس الأقاليم، مرورًا بمجالس البلديات والمحافظات، وتطوير وتفعيل الرقابة والمساءلة على هياكل الإدارة المحلية بمستوياتها المختلفة.

وبناء على ذلك؛ توقّفت اللجنة عند مجموعة من الاعتبارات التي يجب أن تؤخذ في الاعتبار خلال المرحلة الانتقالية، وعلى النحو التالي:

  1. إن المرحلة الانتقالية التي يتم خلالها التدرُّج في إنضاج التحول الديمقراطي ضرورة، وهي ضمانة لسلامة الانتقال في تطوير النظام السياسي الأردني وتقليل المخاطر، لكن هذه المرحلة يجب ألّا تطول.
  2. الالتزام الوطني بمتطلبات المرحلة الانتقالية يحتاج إلى تضافر جهود الجميع، وأن يشكّل هذا الالتزام برنامجَ عملٍ وطنيًّا عابرًا للحكومات والبرلمانات، أي برنامج عمل وطني يتحول إلى هدف وطني كبير يلتفّ حولَهُ الجميع.
  3. إن استكمال بناء النموذج الديمقراطي يتطلب عملًا وطنيًّا تراكميًّا يشارك به الجميع، تقوم مداميكه على أسسٍ راسخة، ويستند إلى العزم والتصميم والإرادة من أجل تحقيق الأهداف الكبرى بلا تردد.
  4. إن الحصص (نظام الكوتا) في المقاعد النيابية، سواء تلك المخصَّصة للمرأة أو لفئات اجتماعية أخرى، تُعَدّ حالة استثنائية تتطلّبها مراحل الانتقال السياسي لتحقيق العدالة، لكن الوصول إلى النموذج الديمقراطي الذي يتسم بالعدالة السياسية وتكافؤ الفرص يتيح الأمر لتقليص هذه الحصص أو إنهاء العمل ببعضها.
  5. إن عملية الانتقال إلى النموذج الديمقراطي لن تكون ميسّرة وسهلة في جميع محطاتها، بل ستواجه تحديات كبيرة بعضُها غير مألوف، وهذا أمرٌ متوقَّع يجب أن لا يثبط الهمم أو يعيق الإرادة الوطنية في الاستمرار والتجاوز، فالديمقراطية تاريخيًّا آليةٌ لتصحيح الأخطاء وتجاوز الصعوبات.

ملامح النموذج الديمقراطي عند نهاية المرحلة الانتقالية

حالة الأحزاب عند نهاية المرحلة الانتقالية

  1. ستنضج ثلاثة أو أربعة أطياف أو تيارات أو أحزاب قوية ذات قدرة تنظيمية عالية واحتراف وشمول في العمل السياسي والاقتصادي والاجتماعي، الأمر الذي يجعلها قادرة على بناء معارضة بنّاءة قوية والمشاركة في الحكومات.
  2. ستحظى الأحزاب بالقبول من المجتمع وبصورة مشرقة قائمة على النزاهة والمسؤولية والاحتراف، ومرتبطة بأذهان المواطنين بممارسة انتخابية نزيهة وبتوجُّه وطني يعبّر عن مصالحهم.
  3. ستتمتّع الأحزاب بقدرة على تطوير برامجها باحتراف ومهنية، وستبني قدراتها وشبكة علاقاتها من خلال خبراء ومتخصصين بما يستجيب للاحتياجات الوطنية، وستعكس هذه البرامجُ قدرة الأحزاب على إدارة كفؤة للموارد الوطنية، وستكون مراكز الدراسات التابعة للأحزاب أو الحليفة لها قادرة على مَدِّها بالمعلومات والأفكار والحلول الأكثر نجاعة.
  4. ستؤسِّس الممارسة السياسية للأحزاب، سواء في المعارضة البنّاءة أو بالمشاركة في الحكومات، علاقةً ذهنية عميقة بين الحزب والمواطن ترتبط بالإنجازات، كالإنجازات الاقتصادية، ودعم الاستقرار، والعدالة الاجتماعية، وتوزيع الخدمات، والضمان الاجتماعي، والرعاية الصحية، وتطوير التعليم، وتحسين أداء الجامعات، وتنمية المحافظات. أي أن الإنجازات الوطنية سترتبط ببرامج الأحزاب وقدرتها على الدفاع عن ملفّ معين وتحقيق إنجاز فيه يحمل اسمها.
  5. ستعمل التطورات التي ستشهدها الأحزاب على زيادة قوة الانخراط المجتمعي فيها، إذ ستلتقي عوامل متعددة لتيسير هذه المهمة وتسهيلها، وأبرزها؛ ازدياد الثقة بالإرادة الوطنية التي تعكسها مؤسسات الدولة ورغبتها في حياة حزبية حقيقية، ونمو الثقة بالأحزاب نتيجةً لإنجازاتها، وازدياد القدرات التنظيمية لها.
  6. ستطوّر الأحزاب قدراتها المؤسسية الداخلية، وفي مقدمتها التناوب الديمقراطي والدمقرطة الداخلية في مستوياتها المختلفة، وقدرتها على إدارة مواردها الذاتية وتنميتها.
  7. ستكون الثقافة الوطنية الحزبية أكثر نضوجًا، وسيُنظَر إلى الأحزاب بوصفها كيانات وطنية ذات دور أساسي في النظام السياسيّ الأردنيّ.

حالة مجلس النواب عند نهاية المرحلة الانتقالية

١. سيتكوّن مجلس النواب في أغلبه من كُتَل وتيارات حزبية برامجية تعدّدية قادرة على أداء دورها الدستوريّ بكفاءة عالية والمشاركة في الحكومات البرلمانية.

٢. سيتشكّل مجلس النواب من نُخَب سياسية متجدّدة وبمشاركة واسعة من الشباب والمرأة.

٣. سيجسِّد مجلسُ النواب مؤسسةً سياسية قوية تتعامل بمسؤولية وتوازن مع السلطة التنفيذية وفقًا لمقتضيات الدستور.

٤. سيشهد النظام الداخلي لمجلس النواب عمليات تحسين مستمرة، كما سيتم تطوير عمل اللجان النيابية، وسيلاحَظ تحسُّن في أداء الأمانة العامة للمجلس.

٥. سيشهد المجلس تطوير منظومة متكاملة لدعم عمل النواب ومَدِّهم بالخبرات والاستشارات، وتزويدهم بالمعلومات، وسيتطلب ذلك إنشاء وحدات جديدة متخصصة بالمعلومات والبحوث والاستشارات وغيرها.

٦. ستتعزّز الثقة الشعبية بمجلس النواب، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة المشاركة الانتخابية.

حالة الحكومة وأداء الجهاز التنفيذي عند نهاية المرحلة الانتقالية

استنادًا إلى رؤية جلالة الملك عبداللّه الثاني بتعميق نهج الحكومات البرلمانية، وبعد الاسترشاد بالأوراق النقاشيّة لجلالته ورغبة جلالته بالوصول إلى هذا الهدف بأن تقوم الأحزاب السياسية والائتلافات الحزبيّة التي تحظى بالأغلبية البرلمانية بالمشاركة في الحكومات أو بتشكيلها من منتسبيها في المستقبل، أقرّت اللجنة التشريعات التي تؤسس لذلك وفقًا للمادة (٣٥) من الدستور، وعلى أن لا يُجمَع بين المنصب الوزاري وعضوية البرلمان، وذلك تعزيزًا لمبدأ الشفافية ومبدأ الفصل بين السلطات. كما أن هذا النموذج يعزّز الدَّورَ الرقابي لمجلس النواب بحيث يتفرغ النائب للقيام بدوره الرقابي والتشريعي بمعزل عن أيّ مهام تنفيذية أخرى، الأمر الذي يكرّس الركن النيابي في نظام الحكم كما نصّ عليه الدستور.

إنّ هذا التوافق جاء بعد دراسة مستفيضة للحالة السياسية الأردنية لشكل العلاقة بين مجلس النواب والحكومة، وبعد استطلاع آراء الأردنيين وقواهم السياسية والاجتماعية، التي أكدت ضرورة الفصل بين منصب الوزارة وعضوية البرلمان، وهذا ما درجت عليه العديد من الممارسات الديمقراطية في العالم.

كما أن الوصول إلى هذا النموذج الديمقراطي المتقدم يتطلب تطور الأحزاب السياسية ونضوجها بحيث تمتلك برامج واقعية مؤثرة وقادرة على إقناع الناخبين بطروحاتها والوصول إلى البرلمان وتشكيل كتل وائتلافات سياسية وبرامجية.

وفي ما يتصل بالأداء الحكومي، يُتوقَّع مع نهاية المرحلة الانتقالية ما يلي:

١. ستتعامل الحكومات مع معارضة حزبية نيابية منظّمة بوجود أقلّية نيابية تشكّل ما يشبه (حكومة الظلّ).

٢. سيشهد الجهاز الحكومي عملية متراكمة في تطوير مبدأ الحياد المؤسسي وتطبيقه.

٣. سيشهد الجهاز الحكومي المزيدَ من المهنية والاحتراف في العمل الإداري المستقلّ.

٤. سيشهد الجهاز الحكومي تطويرَ قدراته في الاستجابة للرقابة والمساءلة.

حالة الإدارة والحكم المحلي عند نهاية المرحلة الانتقالية

  1. سيتم الانتقال إلى حكم محلي قائم على استحداث أقاليم تنموية وخدمية تُنقَل إليها العديد من الصلاحيات التخطيطية والتنفيذية.
  2. ستكون مجالس المحافظات منتخَبة وممثّلة للمجتمعات المحلية، وقادرة على تحديد الأولويات التنموية والخطط المحلية ومراقبة تنفيذها.
  3. ستكون المجالس البلدية والمحلية قوية ومتكاملة في عملها مع مجالس المحافظات ومجالس الأقاليم.
  4. سيتم التوسُّع في الخدمات التي تقدَّم محليًّا، وستشهد هذه الخدمات تحسُّنًا في جودتها، وستتحسّن قدرة المجتمعات المحلية في الوصول إليها.
  5. ستصبح الأقاليم وحداتٍ تنمويةً إنتاجية تكاملية ستعمل على تطبيق مبدأ الاعتماد على الذات.
  6. ستشهد المحافظات بدايةَ تحوُّل اجتماعي اقتصادي وثقافي لصالح التحديث والثقافة الإنتاجية.